وأمَّا (المجيد) فهي فَعِيلٌ بمعنى فاعِلٍ؛ أي: ذو المجد، والمجدُ هو العظمةُ والقُوَّة، ويُقال: في كُلِّ شَجَرٍ نَارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفَارُ. هذا مَثَلٌ مشهورٌ عند العرب، المَرْخُ والعَفَارُ نوعانِ من الشَّجرِ في الحجاز معروفان، يعني أنها أسرعُ الشَّجَرِ انقداحًا إذا ضُرِبتْ بالزَّنْدِ، وإلَّا ففي كُلِّ الأشجار نارٌ كما قال تعالى:{الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا}[يس: ٨٠] المهمُّ أن المجيد معناه ذو المجد، وهي العَظَمةُ وكمالُ السلْطان.
***
ثم قال:(ويستعيذُ بالله من عذابِ جهنَّمَ ومن عذابِ القبرِ) إلى آخره.
قال:(ويستعيذ)، فيقول: أعوذُ بالله من عذابِ جهنَّم، والعِياذُ هو الالتجاءُ مِن مكروهٍ أو الاعتصامُ مِن مكروهٍ؛ يعني: أن تعتصم بالله من المكروه. واللِّياذ: أن تلجأ إليه لحصول المطلوب، كما قال الشاعرُ:
يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ
وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ
لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ
وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ
فجعلَ اللِّياذَ فيما يُؤمَّل، والعِياذَ فيما يُحذَرُ؛ أي مِن الأشياء المكروهة.
وقوله:(من عذاب جهنم) أي: العذاب الحاصل منها، فالإضافة هنا على تقدير (مِنْ)، فهي جنسيَّة؛ كما تقول: خاتمُ حديدٍ؛ أي: خاتمٌ مِن حديدٍ. ويحتمل أن تكون الإضافة على تقدير (في) أي: عذاب في جهنَّم؛ كما قال تعالى:{بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ}[سبأ: ٣٣] أي: مكرٌ في الليل، والإضافة -كما تعرفون- تأتي على تقدير (مِن)، وعلى تقدير (في)، وعلى تقدير (اللام) وهي الأكثر.