وأما الذين قالوا بالتحريم، فقالوا: إن هذا إجماع من الصحابة، أو يكاد يكون إجماعًا، وهو من سُنَّة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد أُمِرْنَا باتِّباعِه، فوجب علينا أن نقرأ القرآن مرتبًا؛ ولأنه قد يكون فيه تشويشٌ على العامة، وتَنَقُّصٌ لكلام الله عزّ وجل إذا رأى العامة أنَّ النَّاسَ يقدِّمون ويؤخِّرون فيه، والعامي عامي جاهل لا يعرف.
ولكن؛ القول بالكراهة قولٌ وسطٌ بين قولين، فيقال: إنَّ إجماع الصحابة على هذا الترتيب غير موجود، فإن في مصاحف بعضِهم ما يخالف هذا التَّرتيب كمصحف ابن مسعود، رضي الله عنه، وأما قراءة النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في حديث حذيفة لـ (النساء) قبل (آل عمران) فهذا -لعلَّه- قبل العرضة الأخيرة؛ لأنَّ جبريلَ كان يُعارِضُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم القرآن في كُلِّ رمضان، فيكون ما اتَّفق عليه الصحابةُ أو ما كادوا يتَّفقون عليه هو الذي استقرَّ عليه الأمر، لا سيما وأنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقرنُ بين البقرة وآل عمران، مما يدلُّ على أنهما قرينتان، فيكون تقديمه النساء في حديث حذيفة قبل الترتيب الأخير.
والحق أن الترتيب بين السُّور منه توقيفي، ومنه اجتهادي، فما وَرَدَتْ به السُّنَّةُ كالترتيب بين (الجُمعة) و (المنافقين)، وبين (سَبِّحِ) و (الغاشية) فهو على سبيل التوقيف؛ فالنبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قرأَ (الجمعة) قبل (المنافقون).
وقرأ (سَبِّح) قبل (الغاشية) فهذا على سبيل الترتيب التوقيفي، وما لم تَرِدْ به السُّنَّةُ فهو اجتهادٌ من الصَّحابةِ، والغالب أنَّ الاجتهادَ، إذا كان معه الأكثر أقربُ إلى الصَّوابِ.