للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والثاني: أنه فعل محرمًا منهيًّا عنه في الصلاة بخصوصها، والفعل المحرم المنهي عنه في العبادة بخصوصها يقتضي بطلانها، ولكن جمهور أهل العلم على أن صلاته لا تبطل برفع بصره إلى السماء، لكن هو على القول الراجح آثم بلا شك؛ لأن الوعيد لا يأتي على فعل مكروه فقط. إذن ينظر المصلي إما تلقاء وجهه وإلا إلى موضع سجوده، ولكن أيهما أرجح: ينبغي أن يختار ما هو أخشع لقلبه، إلا في موضع واحد، بل في موضعين: في حال الخوف، وفيما إذا جلس فإنه يرمي ببصره إلى موضع إشارته إلى أصبعه (١٥) كما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه سلم.

أما في حال الصلاة في المسجد الحرام والنظر إلى الكعبة فإن القول الصحيح أنه لا ينظر.

ومن العجيب أن القوم الذين قالوا: ينظر إلى الكعبة قالوا: لأن النظر إلى الكعبة عبادة، وهذا التعليل يحتاج إلى دليل، من أين لنا أن النظر إلى الكعبة عبادة؟ يحتاج إلى دليل هذا؛ لأن إثبات أي عبادة إن لم يكن له أصل من الشرع فإنه يكون بدعة فيه، لو أن الإنسان أغمض عينيه بحيث لا ينظر شيئًا فهل هذا جائز أو لا؟ الصحيح أنه مكروه؛ لأنه يشبه فعل المجوس عند عبادتهم النيران، حيث يغمضون أعينهم، وقيل: إنه أيضًا من فعل اليهود، والتشبه بغير المسلمين أقل أحواله التحريم كما قال شيخ الإسلام رحمه الله، فيكون إغماض البصر في الصلاة مكروهًا على أقل تقدير، إلا إذا كان هناك سبب، مثل أن يكون حوله ما يشغله لو فتح عينيه، فحينئذ يغمض تحاشيًا لهذه المفسدة.

فإن قال قائل: أنا أجد نفسي إذا أغمضت عيني أخشع مما إذا لم أغمض عيني، فهل تفتونني بأن أغمض عيني؟ الجواب: لا؛ لأن هذا الخشوع الذي يحصل لك بفعل مكروه من الشيطان فهو كخشوع الصوفية في أذكارهم التي يتعبدون بها، وهي بدعة.

<<  <  ج: ص:  >  >>