وأما وجوب القضاء: فحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه أمر الذي واقع أهله في رمضان أن يقضي يوما مكانه»(١).
وجه الاستدلال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستفسر من الرجل هل كان جماعه عن عمد أو نسيان، ولو افترق الحال لسأل واستفصل (٢)، والحكم من الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا ورد عَقِب ذكر واقعة محتملة لأحوال مختلفة الحكم من غير استفصال, يتنزل منزلة العموم (٣)، وهي القاعدة التي يعبر عنها بعض أهل العلم بقولهم:"ترك الاستفصال في حكايات الأحوال مع الاحتمال، يتنزل منزلة العموم في المَقال"(٤).
الدليل الثالث: ولأنه جِماعٌ تامٌ صادفَ صوما، فوجب أن يفطر به كالعامد (٦).
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول: أن الصائم إذا جامع ناسيا لصومه فصومه صحيح ولا قضاء عليه ولا كفارة؛ لعموم حديث أبي هريرة المستدل به. وأما ما استدل به أصحاب القولين الآخرين فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما قياسهم ناسي الصيام على ناسي الصلاة, فيجاب عنه:
أن هذا قياس مع الفارق؛ لأن القياس كان قد يصح لو أنه كان عليه صيام فنسي ولم يصمه، فهنا يقال له: صم يوما بدلا عن اليوم الذي نسيته، كالصلاة، ولكن النسيان هنا وقع داخل العبادة التي هي الصيام، فيقاس على النسيان داخل الصلاة.
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٨١ رقم ٨٠٥٧, في الصيام, باب رواية من روى الأمر بقضاء يوم مكانه, وأبو عوانة في المستخرج ٢/ ٢٠٦ رقم ٢٨٥٩، واللفظ له, والطحاوي في شرح المشكل الآثار ٤/ ١٧٣ رقم ١٥١٨, وقال الحافظ في الفتح ٤/ ١٧٢: "وبمجموع هذه الطرق تعرف أن لهذه الزيادة أصلا", وقال الألباني في الإرواء ٤/ ٩٣: "صحيح. بمجموع طرقه وشواهده". (٢) ينظر: المغني ٣/ ١٣٦، وكشاف القناع ٢/ ٣٢٤، والتنبيه لابن بشير ٧١٩. (٣) ينظر: إحكام الأحكام ٢/ ١٤. (٤) هذه قاعدة أصولية من كلام الشافعي, وقد جزم فيها بترك الاستفصال. ينظر: البرهان في أصول الفقه ١/ ١٢٢، ونفائس الأصول في شرح المحصول ٤/ ١٧٨٨، وقواطع الأدلة ١/ ٢٢٥. (٥) ينظر: المغني ٣/ ١٣٦، وشرح العمدة كتاب الصيام ١/ ٣١٨، وكشاف القناع ٢/ ٣٢٤. (٦) ينظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠، والحاوي الكبير ٣/ ٤٣٠.