(م) , وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ , وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: " قَدْ سَأَلْتِ اللهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ , وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ , وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ , لَنْ يُعَجِّلَ مِنْهَا شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ (١) أَوْ يُؤَخِّرَ مِنْهَا شَيْئًا بَعْدَ حِلِّهِ , وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ , وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ , كَانَ خَيْرًا لَكِ وَأَفْضَلَ " (٢)
الشرح (٣)
(١) أَيْ: قبل أوان حدوثه.(٢) (م) ٢٦٦٣ , (حم) ٣٧٠٠(٣) هَذَا الْحَدِيث صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْآجَال وَالْأَرْزَاق مُقَدَّرَة , لَا تَتَغَيَّر عَمَّا قَدَّرَهُ الله تَعَالَى وَعَلِمَهُ فِي الْأَزَل، فَيَسْتَحِيلُ زِيَادَتُهَا وَنَقْصُهَا حَقِيقَةً عَنْ ذَلِكَ , وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي حَدِيث " صِلَة الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُر " وَنَظَائِره , فَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ: قَدْ تَقَرَّرَ بِالدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّة أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْآجَالِ وَالْأَرْزَاق وَغَيْرهَا , وَحَقِيقَة الْعِلْم: مَعْرِفَة الْمَعْلُوم عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِذَا عَلِمَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ زَيْدًا يَمُوتُ سَنَةَ خَمْسمِائَةٍ , اِسْتَحَالَ أَنْ يَمُوت قَبْلهَا أَوْ بَعْدهَا , لِئَلَّا يَنْقَلِب الْعِلْم جَهْلًا، فَاسْتَحَالَ أَنَّ الْآجَال الَّتِي عَلِمَهَا الله تَعَالَى تَزِيد وَتَنْقُص، فَيَتَعَيَّن تَأوِيل الزِّيَادَة أَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَلَك الْمَوْت أَوْ غَيْره مِمَّنْ وَكَّلَهُ الله بِقَبْضِ الْأَرْوَاح، وَأَمَرَهُ فِيهَا بِآجَالٍ مَمْدُودَة , فَإِنَّهُ بَعْد أَنْ يَأمُرهُ بِذَلِكَ , أَوْ يُثْبِتهُ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ , يَنْقُصُ مِنْهُ وَيَزِيدُ عَلَى حَسَبِ مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ فِي الْأَزَل، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ يُحْمَل قَوْله تَعَالَى: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا , وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ}.وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الْمَقْتُولَ مَاتَ بِأَجَلِهِ.وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَة: قُطِعَ أَجَلُه , وَالله أَعْلَم.فَإِنْ قِيلَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي نَهْيِهَا عَنْ الدُّعَاءِ بِالزِّيَادَةِ فِي الْأَجَلِ , لِأَنَّهُ مَفْرُوغ مِنْهُ، وَنَدْبِهَا إِلَى الدُّعَاءِ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الْعَذَاب , مَعَ أَنَّهُ مَفْرُوغٌ مِنْهُ أَيْضًا كَالْأَجَلِ؟. فَالْجَوَاب: أَنَّ الْجَمِيعَ مَفْرُوغٌ مِنْهُ، لَكِنْ الدُّعَاءَ بِالنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ , وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْر وَنَحْوِهِمَا عِبَادَة، وَقَدْ أَمَرَ الشَّرْعُ بِالْعِبَادَاتِ.فَقِيلَ: أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا , وَمَا سَبَقَ لَنَا مِنْ الْقَدَر؟ ,فَقَالَ: اِعْمَلُوا , فَكُلٌّ مُيَسَّر لِمَا خُلِقَ لَهُ.وَأَمَّا الدُّعَاء بِطُولِ الْأَجَل , فَلَيْسَ عِبَادَة، وَكَمَا لَا يَحْسُنُ تَرْكُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالذِّكْرِ اِتِّكَالًا عَلَى الْقَدَر , فَكَذَا الدُّعَاءُ بِالنَّجَاةِ مِنْ النَّار وَنَحْوه. شرح النووي على مسلم - (ج ٩ / ص ١٧)
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute