ورجع عن ذلك لما تبين له أن اعتقاده يخالف فطرته، ثم بينت له فساد هذا القول، فتاب من ذلك، ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم" (١) .
أما أقوال السلف في هذا الباب فكثيرة جدا، وسترد الإشارة إليها عند الرد على زعم الرازي أنه لم يقل بالجهة سوى الحنابلة والكرامية.
ثالثاً: حج النفاة واعترضاتهم، والرد عليها:
ليس النفاة العلو دليل نقلي واحد على ما يدعونه، سوى أثر مكذوب رواه ابن عساكر فيما أملاه في نفي الجهة عن شيخه ابن عبد الله العوسجي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الذي أين الأين فلا يقال له: أين"، وقد حكم شيخ الإسلام بأنه مكذوب، وكثيرا ما يشير إليه باسم: حديث عوسجة (٢) .
ولما لم يكن للنفادة دليل من الكتاب والسنة عولوا على ما زعموه من أدلة العقل، والاعتراض على أدلة السلف المثبتة له.
ومجمل أدلة النفاة هي:
١- حججهم العقلية المعروفة مثل: التجسيم، والتركيب، والانقسام، والتجزء والتناهي، والتحيز، حيث قالوا: هذه لازمة لمن قال بالجهة والله منزه عنها.
٢- اعترضوا على أدلة السمع كلها بأنها معارضة بالعقل، والعقل عندهم مقدم على النقل عند التعارض.
٣- أما دليل أن كل موجودين لا بد أ، يكون أحدهما داخلا في الآخر أو بائنه منه، وأنه لا يجوز أن يكون لا داخلا ولا بائنا - فقد اعترضوا عليه بأن هذا من حكم الوهم والخيال، وإلا فالقسم الثالث صحيح في القسمة العقلية، واستدلوا عليه بوجود العقول والكليات المطلقة.
(١) درء التعارض (٦/٢٤٣-٢٤٤) . (٢) انظر: درء التعارض (٥/٢٢٥،٦/٥) ، والتسعينية (ص:٢٦٣) ، ونقض التأسيس - مطبوع - (١/٥٧١) ، ولم أجد هذا الحديث الموضوع، ولعله لم يرد إلا في كتاب ابن عساكر في نفي الجهة كما أشار شيخ الإسلام.