وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِ الْقَائِلِ: إِنَّ مِنَ الْمَنْصُوصِ مَا مَعْنَاهُ جَلِيٌّ وَاضِحٌ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا لَا يَقَعُ فِيهِ اشْتِبَاهٌ، وَمِنْهَا مَا فِيهِ خَفَاءٌ وَاشْتِبَاهٌ يَعْرِفُ مَعْنَاهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فَإِنَّ هَذَا مُسْتَقِيمٌ صَحِيحٌ، وَحِينَئِذٍ فَالْخُلْفُ فِي الْمُتَشَابِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كُلَّهُ يُعْرَفُ مَعْنَاهُ. فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُعْرَفُ مَعْنَاهُ يُبَيِّنُ حُجَّةً عَلَى ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَمَا ذَكَرَهُ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي الْمُتَشَابِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كُلَّهُ يُعْرَفُ مَعْنَاهُ.
" فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُتَشَابِهَ هُوَ الْمَنْسُوخُ مَعْرُوفٌ. وَهَذَا الْقَوْلُ مَأْثُورٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ هُمُ الَّذِينَ نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، وَمَعْلُومٌ قَطْعًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ مَعْنَى الْمَنْسُوخِ، فَكَانَ هَذَا النَّقْلُ عَنْهُمْ يُنَاقِضُ ذَلِكَ النَّقْلَ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَذِبٌ إِنْ كَانَ هَذَا صِدْقًا وَإِلَّا تَعَارَضَ النَّقْلَانِ عَنْهُمْ. وَالْمُتَوَاتِرُ عَنْهُمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ مَعْنَى الْمُتَشَابِهِ.
" الْقَوْلُ الثَّانِي مَأْثُورٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ: الْمُحْكَمُ مَا عَلِمَ الْعُلَمَاءُ تَأْوِيلَهُ، وَالْمُتَشَابِهُ مَا لَمْ يَكُنْ لِلْعُلَمَاءِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ سَبِيلٌ كَقِيَامِ السَّاعَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ وَقْتَ قِيَامِ السَّاعَةِ مِمَّا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ ; فَإِذَا أُرِيدَ بِلَفْظِ التَّأْوِيلِ هَذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ لَا يَعْلَمُ وَقْتَ تَأْوِيلِهِ إِلَّا اللهُ، وَهَذَا حَقٌّ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مَعْنَى الْخِطَابِ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِنْ أُرِيدَ بِالتَّأْوِيلِ حَقَائِقُ مَا يُوجَدُ، وَقِيلَ: لَا يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ إِلَّا اللهُ. فَهَذَا قَدْ قَدَّمْنَاهُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ هُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُرَادَ بِالتَّأْوِيلِ التَّفْسِيرُ وَمَعْرِفَةُ الْمَعْنَى وَيَقِفُ عَلَى قَوْلِهِ: إِلَّا اللهُ فَهَذَا خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ فَإِنَّهُ مُتَنَاقِضٌ، يَقُولُ ذَلِكَ يَقُولُ مَا يُنَاقِضُهُ
وَهَذَا الْقَوْلُ يُنَاقِضُ الْإِيمَانَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَيُوجِبُ الْقَدْحَ فِي الرِّسَالَةِ، وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ الَّذِينَ قَالُوهُ لَمْ يَتَدَبَّرُوا لَوَازِمَهُ وَحَقِيقَةَ مَا أَطْلَقُوهُ، وَكَانَ أَكْبَرُ قَصْدِهِمْ دَفْعَ تَأْوِيلَاتِ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُتَشَابِهَةِ، وَهَذَا الَّذِي قَصَدُوهُ حَقٌّ، وَكُلُّ مُسْلِمٍ يُوَافِقُهُمْ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا نَدْفَعُ بَاطِلًا بِبَاطِلٍ آخَرَ، وَلَا نَرُدُّ بِدْعَةٍ بِبِدْعَةٍ، وَلَا نَرُدَّ تَفْسِيرَ أَهْلِ الْبَاطِلِ لِلْقُرْآنِ بِأَنْ يُقَالَ: الرَّسُولُ وَالصَّحَابَةُ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ تَفْسِيرَ مَا تَشَابَهَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَفِي هَذَا مِنَ الظَّنِّ فِي الرَّسُولِ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ مَا قَدْ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ خَطَأِ طَائِفَةٍ فِي تَفْسِيرِ بَعْضِ الْآيَاتِ، وَالْعَاقِلُ لَا يَبْنِي قَصْرًا وَيَهْدِمُ مِصْرًا.
" وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُتَشَابِهَ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ. يُرْوَى هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ لَيْسَتْ كَلَامًا تَامًّا مِنَ الْجُمَلِ الِاسْمِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ وَإِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءٌ مَوْقُوفَةٌ، وَلِهَذَا لَمْ تُعْرَبْ فَإِنَّ الْإِعْرَابَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَالتَّرْكِيبِ وَإِنَّمَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.