اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَخْ فَإِنَّ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ هُمُ الَّذِينَ وُكِلُوا إِلَى وِلَايَةِ اللهِ - تَعَالَى - وَحْدَهُ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْبَشَرِ سُلْطَانٌ عَلَى عَقَائِدِهِمْ وَلَا تَصَرُّفٌ فِي هِدَايَتِهِمْ، أَيْ إِنَّهُمْ ظَلُّوا عَلَى فِطْرَةِ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، فَنَظَرُوا فِي الدِّينِ بِمَا غَرَزَ فِي فِطْرَتِهِمْ مِنَ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ، فَتَبَيَّنَ لَهُمُ الرُّشْدُ فَاتَّبَعُوهُ وَالْغَيُّ فَاجْتَنَبُوهُ، وَالْمُقَلِّدُ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِاعْتِقَادِ غَيْرِهِ فَلَا تَسْلَمُ لَهُ وِلَايَةُ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي تُؤَيِّدُهَا الْعِنَايَةُ الْإِلَهِيَّةُ الْعَظِيمَةُ وَأَمَّا أَهْلُ الْكُفْرِ فَلَهُمْ أَوْلِيَاءُ مِنَ الطَّاغُوتِ يَتَصَرَّفُونَ فِي اعْتِقَادِهِمْ وَهُمْ يَقْبَلُونَ تَصَرُّفَهُمْ ثِقَةً بِهِمْ وَتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ، وَهَذَا لَيْسَ بِعُذْرٍ عِنْدَ اللهِ - تَعَالَى - بَعْدَ مَا بَيَّنَ الرُّشْدَ مِنَ الْغَيِّ، فَتَبَيَّنَ فِي نَفْسِهِ حَتَّى لَا يُمْكِنَ أَنْ يَخْفَى عَلَى مَنْ نَظَرَ فِيهِ طَالِبًا لِلْحَقِّ مِنْ غَيْرِ تَعَصُّبٍ لِلْأَهْوَاءِ، وَلَا لِتَقَالِيدِ الْآبَاءِ، وَيُؤَكِّدُ هَذِهِ الْمَعَانِي قَوْلُهُ - تَعَالَى -: لَا انْفِصَامَ لَهَا فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ مَنْ تَبَيَّنَ لَهُ هَذَا الرُّشْدُ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، وَالْمُقَلِّدُ عُرْضَةٌ لِلتَّرْكِ وَالِانْفِكَاكِ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ قِيمَةَ مَا هُوَ فِيهِ لِذَاتِهِ.
أَقُولُ: وَمِمَّا يَجِبُ بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا الْفَرْقُ بَيْنَ وِلَايَةِ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَوِلَايَتِهِمْ لَهُ وَوِلَايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَإِنَّ الْجَاهِلِينَ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْوِلَايَتَيْنِ، فَيَجْعَلُونَ لِبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْوِلَايَةِ مَا هُوَ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَحْدَهُ، وَذَلِكَ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ خَفِيٌّ عِنْدَ الْجَاهِلِ، جَلِيٌّ عِنْدَ الْعَارِفِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلٍ فِيهِ.
هَذِهِ الْآيَاتُ تُثْبِتُ وِلَايَةَ اللهِ وَحْدَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَفِي مَعْنَاهَا آيَاتٌ تُفِيدُ الْحَصْرَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ الشُّورَى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ [٤٢: ٩] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ فِيهَا: وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [٤٢:٢٨] وَثَمَّةَ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ تَنْفِي وِلَايَةَ غَيْرِهِ - تَعَالَى - كَالْآيَاتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الْكَلَامِ عَلَى الشَّفَاعَةِ، وَكَقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ هُودٍ بَعْدَ أَمْرِ النَّبِيِّ وَمَنْ مَعَهُ بِالِاسْتِقَامَةِ: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكَمَ مَنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ [١١: ١١٣] وَقَوْلِهِ لَهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [٦: ١٤] وَقَوْلِهِ: إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [٧: ١٩٦] وَكَذَلِكَ أَمَرَ سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَلَّا يَتَّخِذُوا وَلِيًّا لَهُمْ غَيْرَ اللهِ - تَعَالَى -، أَيْ وَأَنْ يُعْلِمُوا أُمَمَهُمْ ذَلِكَ قَالَ - تَعَالَى - حِكَايَةً عَنْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [١٢: ١٠١] الْآيَةَ وَقَالَ: وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا [٤: ٤٥] فَهَذِهِ شَوَاهِدُ عَلَى وِلَايَةِ اللهِ وَحْدَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَنَهْيِهِمْ عَنِ اتِّخَاذِ وَلِيٍّ مِنْ دُونِهِ " وَوَرَدَ فِي وِلَايَتِهِمْ لَهُ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ يُونُسَ: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [١٠: ٦٢، ٦٣] وَفِي مَعْنَاهَا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.