عَلَى أَرْبَعٍ، وَأَنَّ مَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَلَّا يَعْدِلَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا أَبَاحَ الزِّيَادَةَ لِمُحْتَاجِهَا الْقَادِرِ عَلَى النَّفَقَةِ وَالْإِحْصَانِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ ضَرُورَةً مِنْ ضَرُورَاتِ الِاجْتِمَاعِ وَلَا سِيَّمَا حَيْثُ يَقِلُّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرُ النِّسَاءُ.
وَقَدْ فَصَّلْنَا ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ التَّعَدُّدِ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ، ثُمَّ زِدْنَا عَلَيْهِ فِي كِتَابِ (حُقُوقِ النِّسَاءِ فِي الْإِسْلَامِ) مَا هُوَ مُقْنِعٌ لِكُلِّ عَاقِلٍ مُنْصِفٍ بِأَنَّ مَا شَرَعَهُ الْإِسْلَامُ فِي التَّعَدُّدِ هُوَ عَيْنُ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَمَصْلَحَةِ الْبَشَرِ.
(٩) الطَّلَاقُ قَدْ يَكُونُ ضَرُورَةً مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، إِذَا تَعَذَّرَ عَلَى الزَّوْجَيْنِ الْقِيَامُ بِحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ مِنْ إِقَامَةِ حُدُودِ اللهِ وَحُقُوقِ الْإِحْصَانِ وَالنَّفَقَةِ
وَالْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَكَانَ مَشْرُوعًا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْوَثَنِيِّينَ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ يَقَعُ عَلَى النِّسَاءِ مِنْهُ وَفِيهِ ظُلْمٌ كَثِيرٌ وَغَبْنٌ يَشُقُّ احْتِمَالُهُ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ فِيهِ بِالْإِصْلَاحِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ شَرْعٌ وَلَمْ يَلْحَقْهُ بِمِثْلِهِ قَانُونٌ، وَكَانَ الْإِفْرِنْجُ يُحَرِّمُونَهُ وَيَعِيبُونَ الْإِسْلَامَ بِهِ، ثُمَّ اضْطُرُّوا إِلَى إِبَاحَتِهِ، فَأَسْرَفُوا فِيهِ إِسْرَافًا مُنْذِرًا بِفَوْضَى الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ وَانْحِلَالِ رَوَابِطِ الْأُسْرَةِ وَالْعَشِيرَةِ.
جَعَلَ الْإِسْلَامُ عُقْدَةَ النِّكَاحِ بِيَدِ الرِّجَالِ، وَيَتْبَعُهُ حَقُّ الطَّلَاقِ لِأَنَّهُمْ أَحْرَصُ عَلَى بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ بِمَا تُكَلِّفُهُمْ مِنَ النَّفَقَاتِ فِي عَقْدِهَا وَحَلِّهَا، وَكَوْنِهِمْ أَثْبَتَ مِنَ النِّسَاءِ جَأْشًا وَأَشَدَّ صَبْرًا عَلَى مَا يَكْرَهُونَ، وَقَدْ أَوْصَاهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَذَا بِمَا يَزِيدُهُمْ قُوَّةً عَلَى ضَبْطِ النَّفْسِ وَحَبْسِهَا عَلَى مَا يَكْرَهُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ فَقَالَ: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (٤: ١٩) عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ تُعْطِي الْمَرْأَةَ حَقَّ اشْتِرَاطِ جَعْلِ عِصْمَتِهَا بِيَدِهَا لِتُطَلِّقُ نَفْسَهَا إِذَا شَاءَتْ، وَأَعْطَتْهَا حَقَّ طَلَبِ فَسْخِ عَقْدِ الزَّوَاجِ مِنَ الْقَاضِي إِذَا وَجَدَ سَبَبَهُ مِنَ الْعُيُوبِ الْخِلْقِيَّةِ أَوِ الْمَرَضِيَّةِ كَالرَّجُلِ، وَكَذَا إِذَا عَجَزَ الزَّوْجُ عَنِ النَّفَقَةِ. وَجَعَلَتْ لِلْمُطَلَّقَةِ عَلَيْهِ حَقَّ النَّفَقَةِ مُدَّةَ الْعِدَّةِ الَّتِي لَا يَحِلُّ لَهَا فِيهَا الزَّوَاجُ، وَذَمَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الطَّلَاقَ بِأَنَّ اللهَ يَبْغَضُهُ لِلتَّنْفِيرِ عَنْهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ الْمُنَزَّلَةِ فِيهَا، وَفِي كِتَابِنَا الْجَدِيدِ فِي حُقُوقِ النِّسَاءِ فِي الْإِسْلَامِ.
(١٠) بَالَغَ الْإِسْلَامُ فِي الْوَصِيَّةِ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ فَقَرَنَهُ بِعِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَكَّدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ حَقَّ الْأُمِّ فَجَعَلَ بِرَّهَا مُقَدَّمًا عَلَى بَرِّ الْأَبِ، ثُمَّ بَالَغَ فِي الْوَصِيَّةِ بِتَرْبِيَةِ الْبَنَاتِ وَكَفَالَةِ الْأَخَوَاتِ، بِأَخَصِّ مِمَّا وَصَّى بِهِ مِنْ صِلَةِ الْأَرْحَامِ، بَلْ جَعْلَ لِكُلِّ امْرَأَةٍ قَيِّمًا شَرْعِيًّا يَتَوَلَّى كِفَايَتَهَا وَالْعِنَايَةَ بِهَا وَمَنْ لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ مِنْ أَقَارِبِهَا وَجَبَ عَلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَوَلَّوْا أَمْرَهَا.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّهُ مَا وُجِدَ دِينٌ وَلَا شَرْعٌ وَلَا قَانُونٌ فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ أَعْطَى النِّسَاءَ مَا أَعْطَاهُنَّ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.