(٥) كَانَ بَعْضُ الْبَشَرِ يَحْرِمُونَ النِّسَاءَ مِنْ حَقِّ الْمِيرَاثِ وَغَيْرِهِ مِنَ التَّمَلُّكِ، وَبَعْضُهُمْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِنَّ حَقَّ التَّصَرُّفِ فِيمَا يَمْلِكْنَ، فَأَبْطَلَ الْإِسْلَامُ هَذَا الظُّلْمَ وَأَثْبَتَ لَهُنَّ حَقَّ التَّمَلُّكِ وَالتَّصَرُّفِ بِأَنْفُسِهِنَّ فِي دَائِرَةِ الشَّرْعِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) (٤: ٧) وَقَالَ: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) (٤: ٣٢) .
وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ دَوْلَةَ الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ الْأَمِيرِيكِيَّةِ لَمْ تَمْنَحِ النِّسَاءَ حَقَّ التَّمَلُّكِ وَالتَّصَرُّفِ إِلَّا مِنْ عَهْدٍ قَرِيبٍ فِي عَصْرِنَا هَذَا، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ الْفَرَنْسِيَّةَ لَا تَزَالُ مُقَيَّدَةً بِإِرَادَةِ زَوْجِهَا فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالْعُقُودِ الْقَضَائِيَّةِ، وَقَدْ مُنِحَتِ الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ هَذِهِ الْحُقُوقَ مُنْذُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَرْنًا وَنِصْفَ قَرْنٍ.
(٦) كَانَ الزَّوَاجُ فِي قَبَائِلِ الْبَدْوِ وَشُعُوبِ الْحَضَارَةِ ضَرْبًا مِنِ اسْتِرْقَاقِ الرِّجَالِ لِلنِّسَاءِ، فَجَعَلَهُ الْإِسْلَامُ عَقْدًا دِينِيًّا مَدَنِيًّا؛ لِقَضَاءِ حَقِّ الْفِطْرَةِ بِسُكُونِ النَّفْسِ مِنِ اضْطِرَابِهَا الْجِنْسِيِّ بِالْحُبِّ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَتَوْسِيعِ دَائِرَةِ الْمَوَدَّةِ وَالْأُلْفَةِ بَيْنَ الْعَشِيرَتَيْنِ، وَاكْتِمَالِ عَاطِفَةِ الرَّحْمَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَانْتِشَارِهَا مِنَ الْوَالِدَيْنِ إِلَى الْأَوْلَادِ، عَلَى مَا أَرْشَدَ
إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لِآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (٣٠: ٢١) .
(٧) الْقُرْآنُ سَاوَى بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ بِاقْتِسَامِ الْوَاجِبَاتِ وَالْحُقُوقِ بِالْمَعْرُوفِ، مَعَ جَعْلِ حَقِّ رِيَاسَةِ الشَّرِكَةِ الزَّوْجِيَّةِ لِلرَّجُلِ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى النَّفَقَةِ وَالْحِمَايَةِ بِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الزَّوْجَاتِ: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) (٢: ٢٢٨) وَقَدْ بَيَّنَ هَذِهِ الدَّرَجَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) (٤: ٣٤) فَجَعَلَ مِنْ وَاجِبَاتِ هَذِهِ الْقِيَامَةِ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ لَا تُكَلَّفُ مِنْهُ شَيْئًا وَلَوْ كَانَتْ أَغْنَى مِنْهُ، وَزَادَهَا الْمَهْرَ فَالْمُسْلِمُ يَدْفَعُ لِامْرَأَتِهِ مَهْرًا عَاجِلًا مَفْرُوضًا عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ لَزِمَهُ فِيهِ مَهْرُ مِثْلِهَا فِي الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَلَهُمَا أَنْ يُؤَجِّلَا بَعْضَهُ بِالتَّرَاضِي، عَلَى حِينِ نَرَى بَقِيَّةَ الْأُمَمِ حَتَّى الْيَوْمِ تُكَلِّفُ الْمَرْأَةَ دَفْعَ الْمَهْرَ لِلرَّجُلِ.
وَكَانَ أَوْلِيَاءُ الْمَرْأَةِ يُجْبِرُونَهَا عَلَى التَّزَوُّجِ بِمَنْ تَكْرَهُ، أَوْ يَعْضُلُونَهَا بِالْمَنْعِ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ زَوْجَهَا وَطَلَّقَهَا فَحَرَّمَ الْإِسْلَامُ ذَلِكَ، وَالنُّصُوصُ فِي هَذَا مَعْرُوفَةٌ فِي كَلَامِ اللهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ وَسُنَّتِهِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنَ التَّفْسِيرِ.
(٨) كَانَ الرِّجَالُ مِنَ الْعَرَبِ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ يَتَّخِذُونَ مِنَ الْأَزْوَاجِ مَا شَاءُوا غَيْرَ مُقَيَّدِينَ بِعَدَدٍ، وَلَا مُشْتَرَطٍ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْعَدْلُ، فَقَيَّدَهُمُ الْإِسْلَامُ بِأَلَّا يَزِيدُوا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.