وَلِمَا كَثُرَ الْقَوْلُ بِالرَّأْيِ قَامَ أَهْلُ الْأَثَرِ يَرُدُّونَ عَلَى أَهْلِ الرَّأْيِ وَيُنَفِّرُونَ النَّاسَ مِنْهُمْ، فَكَانَ عُلَمَاءُ الْأَحْكَامِ قِسْمَيْنِ: أَهْلَ الْأَثَرِ وَالْحَدِيثِ، وَأَهْلَ الرَّأْيِ، وَكَانَ أَئِمَّةُ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ، النَّاهِينَ عَنْ تَقْلِيدِ غَيْرِ الْمَعْصُومِ فِي الدِّينِ، ثُمَّ حَدَثَتِ الْمَذَاهِبُ، وَبِدْعَةُ تَعَصُّبِ الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ لِلْوَاحِدِ، وَفَشَا بِذَلِكَ التَّقْلِيدُ بَيْنَ النَّاسِ، فَضَاعَ الْعِلْمُ مِنَ الْجُمْهُورِ بِتَرْكِ الِاسْتِقْلَالِ فِي الِاسْتِدْلَالِ، فَكَانَ هَذَا أَصْلَ كُلِّ شَقَاءٍ وَبَلَاءٍ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فِي دِينِهَا وَدُنْيَاهَا.
(١٠) مَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ضَلَالَةٍ قَطُّ، أَمَّا أَهْلُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَفْتَتِنْ بِالْبِدَعِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي عَصْرِهِمْ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ، وَكَانَ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ عَلَى الْحَقِّ، وَلَمَّا ضَعُفَ الْحَقُّ وَارْتَفَعَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الْمَوْتِ فِي الْعُلَمَاءِ الْمُسْتَقِلِّينَ، وَفُشُوِّ الْجَهْلِ بِتَقْلِيدِ الْجَمَاهِيرِ حَتَّى لِأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ، كَانَ يُوجَدُ فِي كُلِّ عَصْرٍ طَائِفَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْحَقِّ مُقِيمَةٌ لِلسُّنَّةِ خَاذِلَةٌ لِلْبِدْعَةِ وَلِغُرْبَةِ الْإِسْلَامِ صَارَ هَؤُلَاءِ غُرَبَاءَ فِي النَّاسِ، وَكَانُوا فِي اعْتِصَامِهِمْ بِالْحَقِّ وَفِي غُرْبَتِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ مِصْدَاقًا لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَلَوْ خَلَتِ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَانْفَرَدَ بِتَعْلِيمِ الدِّينِ وَالتَّصْنِيفِ فِيهِ الْمُقَلِّدُونَ الْمُتَعَصِّبُونَ لِلْمَذَاهِبِ، الَّذِينَ جَعَلُوا كَلَامَ مُقَلِّدِيهِمْ أَصْلًا فِي الدِّينِ، يَرُدُّونَ إِلَيْهِ أَوْ لِأَجْلِهِ نُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حَتَّى بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ وَيُضَعِّفُونَ الصَّحِيحَ وَيُصَحِّحُونَ السَّقِيمَ، لَعَمِيَتِ السَّبِيلَ الْمُوَصِّلَةَ إِلَى دِينِ اللهِ الْقَوِيمِ.
إِنَّمَا أَعْنِي بِأَهْلِ الْحَقِّ وَأَنْصَارِ السُّنَّةِ مَنْ عَرَفُوا الْحَقَّ وَدَعَوْا إِلَيْهِ وَأَنْكَرُوا عَلَى مُخَالِفِيهِ وَقَرَّرُوهُ بِالتَّدْرِيسِ وَالتَّأْلِيفِ، فَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: " لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ "، وَفِي لَفْظٍ: " حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ " وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: " بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ " وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ زِيَادَةٌ فِي تَفْسِيرِ الْغُرَبَاءِ وَهِيَ: " الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي " وَقَدْ وُجِدَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي كُلِّ عَصْرٍ عَرَفُوا الْحَقَّ فِي أَنْفُسِهِمْ وَلَكِنَّهُمْ مَا دَعَوْا إِلَيْهِ، وَلَا أَنْكَرُوا عَلَى مُخَالِفِيهِ
لِضَعْفٍ فِي عَزَائِمِهِمْ، أَوْ خَوْفٍ عَلَى جَاهِهِمْ وَكَرَامَتِهِمْ عِنْدَ النَّاسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَرَفَ بَعْضَ الْحَقِّ وَلَمْ يُوَفَّقْ لِتَمْحِيصِهِ، وَكَتَبُوا فِي ذَلِكَ كُتُبًا خَلَطُوا فِيهَا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ أَنْصَارَ السُّنَّةِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخَرِينَ، مِنْهُمُ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ وَلَيِّنُ الْقَوْلِ وَخَشِنُهُ، وَالْمُبَالِغُ وَالْمُقْتَصِدُ، وَقَدْ فَضُلَتِ الْأَنْدَلُسُ الشَّرْقَ بَعْدَ خَيْرِ الْقُرُونِ بِإِمَامٍ جَلِيلٍ مِنْهُمْ قَوِيِّ الْعَارِضَةِ شَدِيدِ الْمُعَارَضَةِ، بَلِيغِ الْعِبَارَةِ، بَالِغِ الْحُجَّةِ أَلَا وَهُوَ الْإِمَامُ الْمُحَدِّثُ الْفَقِيهُ الْأُصُولِيُّ مُجَدِّدُ الْقَرْنِ الْخَامِسِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ، أَلَّفَ كُتُبًا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ، هَدَمَ بِهَا الْقِيَاسَ، وَبَيَّنَ إِحَاطَةَ النُّصُوصِ بِالْأَحْكَامِ أَبْلَغَ بَيَانٍ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.