(فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ) ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ أَنَّ أَهْلَ بِلَادِ الشَّامِ يُسَمَّوْنَ النَّبِيذَ، نَقُوعًا " وَأَنَّ الصَّوَابَ أَنْ يُقَالَ نَقِيعٌ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْمُخَصَّصِ نَقْلًا عَنْ صَاحِبِ الْعَيْنِ: النَّقُوعُ وَالنَّقِيعُ (بِفَتْحِ النُّونِ فِيهَا) شَيْءٌ يُنْقَعُ فِيهِ الزَّبِيبُ وَغَيْرُهُ ثُمَّ يُصَفَّى مَاؤُهُ وَيُشْرَبُ.
(الِاسْتِدْرَاكُ الثَّانِي) يَحْتَجُّ الْقَائِلُونَ بِكَوْنِ الْخَمْرِ الْمُحَرَّمَةِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ هِيَ مَا كَانَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ بِأَنَّهُ هُوَ الْقَطْعِيُّ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ، وَغَيْرُهُ ظَنِّيٌّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ قَدْ تُذْكَرُ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَشُرُوحِ الْحَدِيثِ مُسَلَّمَةً مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ، وَفِيهَا أَنَّ أَوَّلَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ (مِنَ الْكُوفِيِّينَ) لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ الَّذِينَ لَا خِلَافَ فِي إِجْمَاعِهِمْ هُمُ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي تَحْرِيمِ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ خَمْرِ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَضْرَةِ كِبَارِ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِهِمْ فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ
نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ " فَصَرَّحَ بِأَنَّ الْخَمْرَ كَانَتْ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ عِنْدَهُمْ، وَأَنَّ مُرَادَ الشَّرْعِ تَحْرِيمُ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِهَا أَيْضًا، وَأَنَّ حَقِيقَةَ الْخَمْرِ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، أَيْ خَالَطَهُ فَأَفْسَدَ عَلَيْهِ إِدْرَاكَهُ وَحُكْمَهُ، وَمِنْهُ الدَّاءُ الْمُخَامِرُ، وَمَنْ قَالَ: خَامَرَهُ غَطَّاهُ; فَقَدْ رَاعَى أَصْلَ مَعْنَى خَمَرَ الشَّيْءَ وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ، وَالْحَدِيثُ مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ أَنْكَرَ عَلَى عُمَرَ قَوْلَهَ هَذَا، وَلِذَلِكَ قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْأُصُولِ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَهُ حُكْمُ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَفْسِيرٌ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَا يَقُولُهُ الصَّحَابِيُّ بِرَأْيهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَهُ بِاعْتِبَارِ فَهْمِهِ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، قُلْنَا: إِذَا كَانَ هَذَا مَا فَهِمَهُ هَذَا الْإِمَامُ فِي اللُّغَةِ وَالدِّينِ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ خَالَفَهُ فِيهِ فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ نَجِدَ لِنَصٍّ شَرْعِيٍّ تَفْسِيرًا أَصَحَّ وَأَقْوَى مِنْ تَفْسِيرٍ يُصَرِّحُ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مِنْبَرِ الرَّسُولِ وَيُوَافِقُهُ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ وَعَامَّتِهِمْ؟ وَهَلْ نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ إِجْمَاعٌ مُسْتَنِدٌ أَىْ دَلِيلُهُ أَقْوَى مِنْ هَذَا الْإِجْمَاعِ؟ فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ كَوْنَ كُلِّ شَرَابٍ مِنْ شَأْنِهِ الْإِسْكَارُ خَمْرًا ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ الْمُقِرِّينَ بِدَلِيلِهِ وَبِالْقِيَاسِ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا مِنَ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ إِذِ السُّكُوتِيُّ عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلِ مُجْتَهَدِي عَصْرِهِ فَلَا يُنْقَلُ عَنْهُمْ مُوَافَقَةٌ لَهُ وَلَا إِنْكَارٌ وَإِنَّ إِقْرَارَ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ لِقَوْلِ عُمَرَ فِي حُكْمِ الْمُوَافَقَةِ الْقَوْلِيَّةِ، وَقَوْلُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ جَدِيرٌ بِأَنْ يُنْقَلَ وَيَشِيعَ، وَأَنْ يُرَاجِعَهُ فِيهِ الْبَعِيدُ إِذَا بَلَغَهُ كَالْقَرِيبِ، وَلَوْ رَاجَعَهُ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ لَعَادَ إِلَى ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ كَمَا فَعَلَ عِنْدَ مَا أَنْكَرَتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ مَا كَانَ أَرَادَهُ مِنَ الْأَمْرِ بِتَحْدِيدِ الْمَهْرِ، ثُمَّ إِنَّ إِجْمَاعَهُمُ الْعَمَلِيَّ عَلَى تَرْكِ جَمِيعِ الْمُسْكِرَاتِ مُنْذُ نَزَلَتِ الْآيَةُ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِثْلَ هَذَا إِجْمَاعًا فَلَا سَبِيلَ إِلَى ثَبَاتِ إِجْمَاعِ قَوْلِيٍّ قَطُّ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.