طَلَبَ الْحَاجَةِ مِنَ اللهِ وَمَحَبَّةَ اللهِ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ، وَتَفْسِيرُ الْوَسِيلَةِ بِمَا فَسَّرْنَاهَا بِهِ أَعَمُّ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِلُّغَةِ. قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: الْوَسِيلَةُ فِي الْأَصْلِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الشَّيْءِ، وَيُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ فَسَّرَ الْوَسِيلَةَ بِالْمَنْزِلَةِ عِنْدَ الْمَلِكِ وَبِالْقُرْبَةِ، وَقَالَ:
وَوَسَلَ فُلَانٌ إِلَى اللهِ وَسِيلَةً، إِذَا عَمِلَ عَمَلًا تَقَرَّبَ بِهِ إِلَيْهِ، وَالْوَاسِلُ الرَّاغِبُ، قَالَ لَبِيدٌ:
أَرَى النَّاسَ لَا يَدْرُونَ مَا قَدْرُ أَمْرِهِمْ ... بَلَى كُلُّ ذِي رَأْيٍ إِلَى اللهِ وَاسِلُ
ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ مَعَانِيهَا الْوَصْلَةَ وَالْقُرْبَى. وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَصْلُ الْمَعْنَى، وَيُرَجَّحُ بِهِ بَعْضُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عَلَى بَعْضٍ. وَلِلْوَسِيلَةِ مَعْنًى فِي الْحَدِيثِ غَيْرُ مَعْنَاهَا هُنَا.
رَوَى أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ، أَيِ الْأَذَانَ: اللهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ. حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ "، وَرَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ "، وَتَفْسِيرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْوَسِيلَةِ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ نَقَلَةِ اللُّغَةِ أَنَّ مِنْ مَعَانِيهَا الْمَنْزِلَةَ عِنْدَ الْمَلِكِ، فَيَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْوَسِيلَةَ الْخَاصَّةَ هِيَ أَعْلَى مَنَازِلِ الْجَنَّةِ، فَمَنْ دَعَا اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَافَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّفَاعَةِ، وَهِيَ دُعَاءٌ أَيْضًا، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَالْوَسِيلَةُ فِي الْحَدِيثِ اسْمٌ لِمَنْزِلَةٍ فِي الْجَنَّةِ مُعَيَّنَةٍ، وَفِي الْقُرْآنِ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَرْضَاةِ اللهِ مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ.
(وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ) أَيْ جَاهِدُوا أَنْفُسَكُمْ بِكَفِّهَا عَنِ الْأَهْوَاءِ، وَحَمْلِهَا عَلَى الْتِزَامِ الْحَقِّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَجَاهِدُوا أَعْدَاءَ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ يُقَاوِمُونَ دَعْوَتَهُ وَهِدَايَتَهُ لِلنَّاسِ ; فَالْجِهَادُ مِنَ الْجَهْدِ، وَهُوَ الْمَشَقَّةُ وَالتَّعَبُ، وَسَبِيلُ اللهِ هِيَ طَرِيقُ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ وَالْفَضِيلَةِ ; فَكُلُّ جَهْدٍ يَحْمِلُهُ الْإِنْسَانُ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ وَالْفَضِيلَةِ، أَوْ فِي تَقْرِيرِهَا وَحَمْلِ النَّاسِ عَلَيْهَا، فَهُوَ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ. (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أَيِ اتَّقُوا مَا يَجِبُ تَرْكُهُ، وَابْتَغَوْا مَا يَجِبُ فِعْلُهُ مِنْ أَسْبَابِ مَرْضَاةِ اللهِ وَقُرْبِهِ، وَاحْتَمِلُوا الْجَهْدَ وَالْمَشَقَّةِ فِي سَبِيلِهِ رَجَاءَ الْفَوْزِ وَالْفَلَاحِ وَالسَّعَادَةِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.