بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ. وَإِذَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسَاهَلَ مَعَ أَصْحَابِهِ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَى التَّفَاؤُلِ بِالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَلَمْ يَعُدَّ هَذَا مِنَ الطِّيرَةِ ; لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ أَزَالَ تِلْكَ الْعَقَائِدَ الْوَهْمِيَّةَ الْبَاطِلَةَ مِنْ نُفُوسِهِمْ، فَلَمْ تَبْقَ حَاجَةٌ لِلتَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَنْشَرِحُ لَهُ الصَّدْرُ - فَهَذَا التَّسَاهُلُ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ اسْتِقْسَامِ الْجَاهِلِيَّةِ الْمُحَرَّمِ قَطْعًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ الصَّرِيحِ ; لِتَغَيُّرِ الْمُسْتَقْسَمِ بِهِ، فَإِنَّ تَحْرِيمَ الِاسْتِقْسَامِ لَيْسَتْ عِلَّتُهُ أَنَّهُ بِالْأَزْلَامِ، بَلْ إِنَّهُ مِنَ الْأَبَاطِيلِ وَالْأَوْهَامِ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ خَشَبَاتِ الْأَزْلَامِ وَخَشَبَاتِ السِّبْحَةِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حَبِّهَا؟
وَأَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ جَعْلُ الِاسْتِقْسَامِ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِخَارَةِ ; إِذِ اسْتَحَلَّهُ بَعْضُ الدَّجَّالِينَ بِإِطْلَاقِ اسْمِهَا عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ قَبِيلِ الْقُرْعَةِ الْمَشْرُوعَةِ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ قِيَاسِ الشَّيْطَانِ، وَالْحُكْمِ فِي دِينِ اللهِ بِالْهَوَى دُونَ بَيِّنَةٍ وَلَا سُلْطَانٍ.
بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الْبَصِيرَةِ وَالْعَقْلِ وَالْبَيِّنَةِ وَالْبُرْهَانِ، وَآيَاتُ الْقُرْآنِ الْكَثِيرَةُ نَاطِقَةٌ بِذَلِكَ: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢: ١١١) لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةِ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (٨: ٤٢) قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (٦: ١٤٨) إِلَخْ. وَإِرْشَادُ الْقُرْآنِ، وَهَدْيُهُ فِي الْحَثِّ عَلَى الْأَخْذِ بِالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ عَامٌّ يَشْمَلُ جَمِيعَ شُئُونَ الْإِنْسَانِ، وَلَمَّا كَانَتِ الدَّلَائِلُ وَالْبَيِّنَاتُ تَتَعَارَضُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، وَالتَّرْجِيحُ بَيْنَهَا يَتَعَذَّرُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، فَيُرِيدُ الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ فَلَا يَسْتَبِينُ لَهُ: آلْإِقْدَامُ عَلَيْهِ خَيْرٌ أَمْ تَرْكُهُ؟ فَيَقَعُ فِي الْحَيْرَةِ - جَعَلَتْ لَهُ السُّنَّةُ مَخْرَجًا مِنْ ذَلِكَ بِالِاسْتِخَارَةِ حَتَّى لَا يَضْطَرِبَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَلَا تَطُولَ غُمَّتُهُ، وَذَلِكَ الْمَخْرَجُ هُوَ الِاسْتِخَارَةُ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَى اللهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَالِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ بِأَنْ يُزِيلَ الْحَيْرَةَ وَيُهَيِّئَ وَيُيَسِّرَ لِلْمُسْتَخِيرِ الْخَيْرَ، وَجَدِيرٌ هَذَا بِأَنْ يَشْرَحَ الصَّدْرَ لِمَا هُوَ خَيْرُ الْأَمْرَيْنِ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِأَهْلِ التَّوْحِيدِ، أَنْ يَأْخُذُوا بِالْبَيِّنَةِ وَالدَّلِيلِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ - تَعَالَى - مُبَيِّنًا لِلْخَيْرِ وَالْحَقِّ، فَإِنِ اشْتَبَهَ عَلَى أَحَدِهِمْ أَمْرٌ الْتَجَأَ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِذَا شَرَحَ صَدْرَهُ لِشَيْءٍ أَمْضَاهُ وَخَرَجَ بِهِ مِنْ حَيْرَتِهِ، وَالْقُرْعَةُ تُشْبِهُ ذَلِكَ، بَلْ أَمْرُهَا أَظْهَرُ، فَإِنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ لِلتَّرْجِيحِ بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ قَطْعًا، كَالْقِسْمَةِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا وَجْهَ لِإِلْزَامِ مَنْ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَأْخُذَ زَيْدٌ مِنْهُمَا هَذِهِ الْحِصَّةَ، وَعَمْرٌو الْأُخْرَى ; فَالْقُرْعَةُ طَرِيقَةٌ حَسَنَةٌ عَادِلَةٌ، وَقِسْ عَلَى هَذَا مَا يُشْبِهُهُ.
وَالَّذِي صَحَّ فِي الِاسْتِخَارَةِ مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ (أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعِ) مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لْيَقُلْ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ؛ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.