فهو يمدحه بالذكاء وحسن البديهة والنظر الثاقب، دون إبطاء فى الرأى أو ندم يلحقه، وهو حازم لبيب بالفطرة، يتغابى قصدا وسيد القوم المتغابى، ويبدو ليّن الملمس وهو صلب العود صلابة شديدة. ومصدر هذا الجانب فى مديحه بدون ريب قدرته الخارقة على تحليل المعانى واستقصائها، وكانت له قدرة خارقة أيضا على النفوذ إلى كثير من الأخيلة المبتكرة من مثل قوله فى حسّاد صاعد مصورا مجده الوطيد (١):
وضد لكم لا زال يسفل جدّه ... ولا برحت أنفاسه تتصعّد
ولو قاس باستحقاقكم ما منحتم ... لأطفأ نارا فى الحشا تتوقّد
وآنق من عقد العقيلة جيدها ... وأحسن من سربالها المتجرّد
وكانت لديه قدرة بارعة على عرض أخيلته فى مثل هذه الأقيسة، فصاعد يستحق مجدا عظيما فوق ما منح من مجد الوزارة الذى أسبغ عليه بفضل خزمه وحسن تدبيره، وما مثل الوزارة بالقياس إليه إلا مثل العقد فى الجيد الجميل جمالا يفوقه، بل مثل الثوب يضفى على الجسد الفاتن. ويجمع بين جمال الخلقة والأخلاق فى بعض ممدوحيه وينفذ إلى هذه الصورة البديعة (٢):