للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان) (١) .

المبحث الثامن

في قوله (: (رفعت الأقلام وجفت الصحف) أي تركت الكتابة في الصحف، لفراغ الأمر وانبرامه منذ أمد بعيد، فقد تقدم كتابة المقادير كلها، فما كتبه الله فقد انتهى ورُفع، والصحف جفت من المداد، ولم يبق مراجعة. فما أخطئك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك. وهذا يدل على أن ما في علم الله تعالى، أو ما أثبته سبحانه في أم الكتاب ثابت لا يتبدل ولا يتغير ولا ينسخ، وما وقع وما سيقع كله بعلمه تعالى وتقديره (٢) ، وهذه الجملة من الحديث تأكيد لما سبق من الإيمان بالقدر، والتوكل على الله وحده، وأن لا يتخذ إلهاً سواه، فإذا تيقن المؤمن هذا فما فائدة سؤال غير الله والاستعانة به، ولهذا قال: (رفعت الأقلام وجفت الصحف) : أي لا يكون خلاف ما ذكرت لك بنسخ ولا تبديل (٣) .

ويشهد لهذا قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير ((٤)

وقوله ((إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: يارب، وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة) (٥) .

وقوله: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) (٦) .


(١) رواه مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله، ح ٢٦٦٤.
(٢) انظر شرح رياض الصالحين ٢/ ٤٥٥، وبهجة الناظرين شرح رياض الصالحين ١/١٣٦.
(٣) انظر شرح الأربعين حديثاً النووية ص ٥٥.
(٤) سورة الحديد، الآية ٢٢.
(٥) رواه أبو داود في كتاب السنة، باب في القدر، ح ٤٧٠٠، والترمذي في كتاب القدر، ح ٢١٥٥، وأحمد ٥/٣١٧، وانظر صحيح سنن الترمذي ٢/٤٥٠ ح ٢١٥٥.
(٦) رواه مسلم في كتاب القدر، باب احتجاج آدم وموسى عليهما السلام، ح ٢٦٥٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>