للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فذِكْرُ التعليم بالقلم يتناول علم العبارة والنطق، وعبارة المعاني والعلوم؛ فإذا كان قد علّمه هذه العلوم١، فكيف يمتنع عليه أن يعلمه ما يأمره به، وما يخبره به.

وبيان ذلك: أنّه قال في أول السورة: {اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقْ} ، ومعلوم أنّ من رأى العلقة٢ قطعة من دم، فقيل له: هذه العلقة يصير منها إنسان يعلم كذا وكذا، لكان يتعجب من هذا غاية التعجب، وينكره أعظم الإنكار. ومعلومٌ أنّ نقل الإنسان من كونه علقة إلى أن يصير إنساناً عالماً قادراً كاتباً، أعظم من جعل مثل هذا الإنسان يعلم ما أمر الله به، وما أخبر به؛ فمن قدر على أن ينقله من الصغر إلى أن يجعله عالماً قارئاً كاتباً، كان أن يقدر على جعله عالماً بما أُمر به، وبما أُخبر به أولى وأحرى.

وهذا كما استُدِلّ على قدرته على إعادة الخلق، بقدرته على الابتداء٣. وقد أخبر الله تعالى عن الكفّار أنهم تعجّبوا من التوحيد، ومن


١ في ((خ)) كتبت في الأصل، ثمّ عُلّق عليها في الحاشية: الأمور. وعليها حرف (ص) ، فلعلّ المقصود: فإذا كان قد علّمه هذه الأمور.
٢ العلق هو الدم الجامد، ومنه العلقة التي يكون منها الولد.
انظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص ٥٧٩. ولسان العرب لابن منظور ١٠٢٦٧.
٣ وهذا من براهين البعث؛ لأنّ من خلق الناس من العدم، قادرٌ على إعادتهم بعد فنائهم؛ قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [سورة الروم، الآية ٢٧] ، وقال
تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [سورة الأنبياء، الآية ١٠٤] ، وقال تعالى: {فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [سورة الإسراء، الآية ٥١] ، وقال تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [سورة يس، الآية ٧٩] ، وقال تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ..} [سورة ق، الآية ١٥] ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ..} [سورة الحج، الآية ٥] ، وقال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى} [سورة الواقعة، الآية ٦٢] .
وانظر الرد على المنطقيين ص ٣٢٠-٣٢١؛ فقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله براهين البعث العقلية.
وانظر: أضواء البيان للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ١١١٥-١١٦. وجهود الشيخ محمد الأمين في تقرير عقيدة السلف ٢٥٧٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>