أجراه دمعا، وبنزال الأبيرق (١) حتى كاد يفنيه جزعا وولع بأهيل الحيّ حتى ظلّ دمعه بالحمى صبّا (٢)، وبات (ص ٣٠٩) كراه (٣) لا يلائم مضجعه من الجفون جنبا، وتشوّق ديارا كان يودّ لو طاف بربوعها، وطاح مرطه في مسارح ربيعها، وأسف لزمان أخّره عن زمان تلك الأقمار الطّلع، والسمّار ومقل الكواكب مفضية لا تجسر أن تتطلّع وغشيان نادي النبوة والقرآن ينزل عليه، وجبريل يؤدي ما اؤتمن على إبلاغه إليه، وسيّد الكونين محمد خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء حيّ يأتلق قمره في ذلك النادي، ويتدفق مطره في ذلك الوادي، وطيبة (٤) به تأرج (٥) جنبات أرجائها نشرا.
وتخلّق أردان فنائها بشرا، وتلك المعالم مأهولة بأهلتها، وتلك المعاهد معهودة لا تستسقي السحب لغلتها، فلما فاته سالف تلك الأيام أن يكون من بينها، وبعدت عليه شقة تلك المنازل أن يكون فيها، جعل فيها غرر تأليفه، ودرر تصنيفه، وصنف كتاب الشفا في شرف المصطفى (٦)، وأوقد مصباحه مذ
= إني مررت على العقيق وأهله … يشكون من مطر الربيع نزورا ما ضركم إن كان جعفر جاركم … أن لا يكون عقيقكم ممطورا معجم البلدان ٤/ ١٣٨ - ١٣٩. (١) لعله يريد أبرق العزّاف، وهو ماء في طريق القاصد إلى المدينة من البصرة، انظر معجم البلدان ١/ ٦٨. (٢) لعله يريد حمى المدينة أو حمى الحرمين والله تعالى أعلم. (٣) كراه: من كري كرضي كرى فهو كر أي نعس، أي نعاسه انظر القاموس المحيط مادة (كري) وتكرّى: نام. (٤) طيبة المدينة المنورة مدينة رسول الله ﷺ من الطيب وهي الرائحة الحسنة لحسن رائحة تربتها فيما قيل. ويقال لها طابة. معجم البلدان ٤/ ٥٣. (٥) تأرج: من أرج كفرح ومنه الارج، والأريج وهو توهج ريح الطيب. القاموس المحيط مادة (أرج). (٦) طبع الكتاب باسم (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) بتحقيق علي محمد البجاوي في جزأين كبيرين دار إحياء الكتب العربية سنة ١٩٧٧ م وله كتاب (الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع) طبع بتحقيق السيد أحمد صقر سنة ١٣٨٩ هـ/ ١٩٧٠ م، دار التراث القاهرة والمكتبة العتيقة بتونس.