للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وما فيه من قوّامه وكفاته … ورفقتهم بالمعتفين ذوي الفقر

فللميت المقبور حسن جهازه … وللحيّ رفق في علاج وفي جبر

وإن جئت رأس الجسر فانظر تأمّلا … إلى الحصن أو فاعبر إليه على الجسر

ترى أثرا لم يبق من يستطيعه … من الناس في بدو البلاد ولا حضر

مآثر لا تبلى وإن باد أهلها … ومجد يؤدي وارثيه إلى الفخر

لقد ضمن القبر المقدّر ذرعه … أجلّ إذا ما قيس من قبتي حجر

وقام أبو الجيش ابنه بعد موته … كما قام ليث الغاب في الأسل السمر

أتته المنايا وهو في أمن داره … فأصبح مسلوبا من النهي والأمر

كذاك الليالي من أعارته بهجة … فيا لك من ناب حديد ومن ظفر

وورث هارون ابنه تاج ملكه … كذاك أبو الأشبال ذو الناب والهصر

وقد كان جيش قبله في محله … ولكنّ جيشا كان مستقصر العمر

فقام بأمر الملك هارون مدّة … على كظظ (١) من ضيق باع ومن حصر

وما زال حتى زال والدهر كاشح (٢) … عقاربه من كل ناحية تسري

تذكرتهم لما مضوا فتتابعوا … كما أرفض سلك من جمان ومن شذر

فمن يبك شيئا ضاع من بعد أهله … لفقدهم فليبك حزنا على مصر

ليبك بني طولون إذ بان عصرهم … فبورك من دهر وبورك من عصر

وقال أيضا:

من لم ير الهدم للميدان لم يره … تبارك اللّه ما أعلى وأقدره

لو أن عين الذي أنشأه تبصره … والحادثات تعاديه لأكبره

كانت عيون الورى تعشوا لهيبته … إذا أضاف إليه الملك عسكره

أين الملوك التي كانت تحلّ به … وأين من كان بالإنفاذ دبره

وأين من كان يحميه ويحرسه … من كل ليث يهاب الليث منظره

صاح الزمان بمن فيه ففرّقهم … وحط ريب البلى فيه فدعثره (٣)

وأخلق الدهر منه حسن جدّته … مثل الكتاب محا العصر أن أسطره

دكت مناظره واجتثّ جوسقه … كأنما الخسف فاجأه فدمّره

أو هبّ إعصار نار في جوانبه … فعاد معروفه للعين منكره

كم كان يأوي إليه في مقاصره … أحوى أغنّ غضيض الطرف أحوره


(١) الكظظ: الكرب والجهد.
(٢) كاشح: مضمر العداوة.
(٣) دعثر: الدعثر المتهدم المتثلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>