النَّحْر أفضلُ من الصَّلاة والصَّدقة الذي في عيد الفطر، ولهذا أُمِرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجعلَ شكره لربِّه على إعطائه الكوثر أن يُصلِّي لربِّه وينحر، وقيل له:{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(١). ولهذا ورد الأمر بتلاوة هذه الآية عند ذبْح الأضاحي، والأضاحي سنَّةُ إبراهيمَ عليه السلام ومحمد - صلى الله عليه وسلم -، فإن الله شرعها لإبراهيمَ حين فَدَى ولدَه الذي أمره بذَبْحه، بِذِبْحٍ عَظيمٍ (٢). وفي حديث زَيد بن أَرْقم، قيل: يا رسولَ الله، هذه الأضاحي؟ قال: سنةُ [أبيكم] إبراهيمَ. قيل له: فما لنا بها؟ قال: بكُلِّ شَعَرَةٍ حَسَنَة. قيل: فالصُّوفُ؟ قال: بكُلِّ شَعَرَةٍ مِنَ الصُّوفِ حَسَنَةً. خرَّجه ابنُ ماجة (٣) وغيره. فهذه أعيادُ المسلمين في الدنيا، وكلُّها عند إكمال طاعة مولاهم الملك الوهاب، وحيازتهم لما وعدَهم من الأجر والثواب.
مَرَّ قومٌ براهبٍ في دَيْرٍ، فقالوا له: متى عيدُ أهلِ هذا الدَّيْر؟ قال: يوم يُغفَر لأهله.
ليس العيدُ لمن لبس الجديدَ، إنَّما العيدُ لمن طاعاتُه (٤) تزيد. ليس العيدُ لمن تجمَّل باللباس والركوب (٥)، إنَّما العيدُ لمن غفرت له الذنوب. في ليلة العيد تفرَّقُ خِلَعُ العِتْق والمغفرة على العبيد؛ فمن ناله منها شيء فله عيدٌ، وإلَّا فهو مطرود بعيد.
كان بعضُ العارفين ينوح على نفسه ليلة العيد بهذه الأبيات:
بحرمة غربتي كم ذا الصُّدُودُ … ألا تعطِفْ عليَّ ألا تَجُودُ
سُرورُ العيدِ قَدْ عَمَّ النَّواحِي … وحُزني في ازديادٍ لا يبيدُ
فإن كنْتُ اقْتَرَفْتُ خِلالَ سَوءٍ … فعُذْرِي في الهوى أن لا أعودُ
(١) سورة الأنعام الآية ١٦٢. (٢) راجع الآيات ١٠٢ - ١٠٧ من سورة الصافات. (٣) رقم (٣١٢٧) في الأضاحي: باب ثواب الأضحية. وفي زوائد البوصيري: في إسناده أبو داود، واسمه نفيع بن الحارث، وهو متروك، واتهم بوضع الحديث. وأورده الألباني في "ضعيف سنن ابن ماجة" برقم (٦٧٢) ورمز له بـ "ضعيف جدًّا". وبنحوه رواه الإمام أحمد في "المسند" ٤/ ٣٦٨ والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٣٨٩ وقال: صحيح الإسناد، فتعقبه المنذري في "الترغيب" ٢/ ١٥٤ وقال: "بل واهيه، عائذ الله: هو المجاشعي، وأبو داود: هو نفيع بن الحارث الأعمى، وكلاهما ساقط". (٤) في ب، ط: "طاعاته". (٥) في ع: "والمركوب"، وفي ش: "والمركب".