وَإِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ قَالَ: لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الْجَنَّةَ وَرِضْوَانَهُ وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْ النَّارِ.
ــ
[مغني المحتاج]
رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ. زَادَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ بِيَدَيْكَ لَبَّيْكَ وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ الرَّافِعِيُّ (وَإِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ) أَوْ يَكْرَهُهُ وَتَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ مُقَابِلِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: ٨١] [النَّحْلَ] أَيْ وَالْبَرْدَ (قَالَ) نَدْبًا (لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ) أَيْ الْحَيَاةَ الْمَطْلُوبَةَ الدَّائِمَةَ الْهَنِيَّةَ (عَيْشُ) أَيْ حَيَاةُ الدَّارِ (الْآخِرَةِ) قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ وَرَأَى جَمْعَ الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسَلًا.
وَقَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَشَدِّ أَحْوَالِهِ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا.
وَمَنْ لَا يُحْسِنُ التَّلْبِيَةَ بِالْعَرَبِيَّةِ يُلَبِّي بِلُغَتِهِ. وَهَلْ يَجُوزُ لِلْقَادِرِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُلَبِّيَ بِالْعَجَمِيَّةِ؟ وَجْهَانِ بَنَاهُمَا الْمُتَوَلِّي عَلَى الْخِلَافِ فِي نَظِيرِهِ مِنْ تَسْبِيحَاتِ الصَّلَاةِ وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ هُنَا الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ مُفْسِدٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ بِخِلَافِ التَّلْبِيَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْبِنَاءِ الِاتِّحَادُ فِي التَّرْجِيحِ (وَإِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ صَلَّى) وَسَلَّمَ (عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) عَقِبَ فَرَاغِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: ٤] [الشَّرْحَ:] أَيْ لَا أُذْكَرُ إلَّا وَتُذْكَرُ مَعِي لِطَلَبِي وَتَقُولُ ذَلِكَ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ مِنْ صَوْتِ التَّلْبِيَةِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْهُ.
قَالَ الزَّعْفَرَانِيُّ: <m s= ٢٤٣٠٣٠> وَيُصَلِّي عَلَى آلِهِ (وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى) بَعْدَ ذَلِكَ (الْجَنَّةَ وَرِضْوَانَهُ وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْ النَّارِ) كَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. لَكِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْجُمْهُورُ ضَعَّفُوهُ، وَيُسَنُّ أَنْ يَدْعُوَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا أَحَبَّ دِينًا وَدُنْيَا.
قَالَ الزَّعْفَرَانِيُّ: فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لَك وَلِرَسُولِك وَآمَنُوا بِكَ، وَوَثِقُوا بِوَعْدِك، وَوَفَوْا بِعَهْدِك، وَاتَّبَعُوا أَمْرَك، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ وَفْدِك الَّذِينَ رَضِيت وَارْتَضَيْت، اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي أَدَاءَ مَا نَوَيْت وَتَقَبَّلْ مِنِّي يَا كَرِيمُ.
خَاتِمَةٌ: يُسَنُّ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي التَّلْبِيَةِ إلَّا بِرَدِّ سَلَامٍ فَإِنَّهُ مَنْدُوبٌ وَتَأْخِيرُهُ عَنْهَا أَحَبُّ، وَقَدْ يَجِبُ الْكَلَامُ فِي أَثْنَائِهَا لِعَارِضٍ كَأَنْ رَأَى أَعْمَى يَقَعُ بِبِئْرٍ، وَيُكْرَهُ التَّسْلِيمُ عَلَيْهِ فِي أَثْنَائِهَا لِأَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَقْطَعَهَا.
[بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ]
(بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ) زَادَهَا اللَّهُ شَرَفًا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ يُقَالُ: مَكَّةُ بِالْمِيمِ وَبَكَّةَ بِالْبَاءِ لُغَتَانِ، وَقِيلَ بِالْمِيمِ اسْمٌ لِلْحَرَمِ كُلِّهِ، وَبِالْبَاءِ اسْمٌ لِلْمَسْجِدِ وَقِيلَ بِالْمِيمِ الْبَلَدُ، وَبِالْبَاءِ الْبَيْتُ مَعَ الْمَطَافِ، وَقِيلَ بِدُونِهِ، وَلَهَا أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ تَقْرُبُ مِنْ ثَلَاثِينَ اسْمًا ذَكَرَهَا الدَّمِيرِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَا نَعْلَمُ بَلَدًا أَكْثَرَ اسْمًا مِنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لِكَوْنِهِمَا أَفْضَلَ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الصِّفَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّسْمِيَةِ وَكَثْرَةِ الْأَسْمَاءِ تَدُلُّ عَلَى شَرَفِ الْمُسَمَّى. وَلِهَذَا كَثُرَتْ أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى قِيلَ: إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَلْفَ اسْمٍ وَلِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَلِكَ. وَمَكَّةُ أَفْضَلُ الْأَرْضِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِمَالِكٍ فِي تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ الْأَرْضِ، وَالْخِلَافُ فِيمَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.