وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًا لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ} ١ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَفْوِيضٌ لِنَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، وَهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الْخَطَأِ، وَإِذَا وَقَعَ مِنْهُمْ نَادِرًا فَلَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ، وَجَمِيعُ إِصْدَارِهِمْ وَإِيرَادِهِمْ هُوَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ بِاجْتِهَادٍ يُقَرِّرُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَرْضَاهُ، وَهَكَذَا يُقَالُ فِيمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنِ اجْتِهَادَاتِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ووقع الْجَوَابَاتِ مِنْهُ عَلَى "مَنْ"* سَأَلَهُ مِنْ دُونِ انْتِظَارِ الْوَحْيِ، وَبِمِثْلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ" ٢ وَبِمِثْلِ قَوْلِهِ لَمَّا سَمِعَ أَبْيَاتِ قُتَيْلَةَ بِنْتِ الحارث"٣: "لَوْ بَلَغَنِي هَذَا لَمَنَنْتُ عَلَيْهِ" أَيْ: عَلَى أخيها النضر بن الحارث٤ أَحَدِ أَسْرَى بَدْرٍ، وَالْقِصَّةُ وَالشِّعْرُ مَعْرُوفَانِ.
وَأَمَّا اعْتِذَارُ مَنِ اعْتَذَرَ عَنِ الْقَائِلِ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ بِالْجَوَازِ، وَلَمْ يَقُلْ بِالْوُقُوعِ، فَلَيْسَ هَذَا الِاعْتِذَارُ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ تَجْوِيزَ مِثْلِ هَذَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مِمَّا لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَ بِهِ.
وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّفْوِيضِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَإِلَى الْمُجْتَهِدِينَ بِالنَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ، فَلَيْسَ مَحَلُّ النِّزَاعِ إِلَّا التَّفْوِيضَ "لِمَنْ"** كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنْ يَحْكُمَ بِمَا شَاءَ، وَكَيْفَ اتَّفَقَ، وَحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لَكَ أَنَّ غَالِبَ مَا جَاءُوا بِهِ "فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَاقِعٌ فِي غَيْرِ مَوْقِعِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَلَمْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ تَقْبَلُهُ الْعُقُولُ، وَلَا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ، بَلْ جَمِيعُ مَا جَاءُوا بِهِ"*** جَهْلٌ عَلَى جهل، وظلمات بعضها فوق بعض.
* في "أ": ما.** في "أ": إلى من.*** ما بين قوسين ساقط من "أ".
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute