فَبَيَّنَ أَنَّ وَقْتَ التَّفْرِيطِ هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي تَكُونُ الشَّمْسُ فِيهِ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ.
فَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ عَنْ وَصْفِ الْمُسَابَقَةِ وَالْمُسَارَعَةِ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْإِيقَاعِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يُسَمَّى مُفَرِّطًا، وَمُقَصِّرًا، وَآثِمًا أَيْضًا عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ الْوَاجِبَاتُ الْفَوْرِيَّةُ.
وَأَمَّا الْمُقَيَّدَةُ بِوَقْتِ الْعُمْرِ، فَإِنَّهَا لَمَّا قُيِّدَ آخِرُهَا بِأَمْرٍ مَجْهُولٍ؛ كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى طَلَبِ الْمُبَادَرَةِ وَالْمُسَابَقَةِ١ فِي أَوَّلِ أَزْمِنَةِ الْإِمْكَانِ، فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ مُغَيَّبَةٌ، فَإِذَا عَاشَ الْمُكَلَّفُ مَا فِي مِثْلِهِ يُؤَدَّى ذَلِكَ الْمَطْلُوبُ، فَلَمْ يَفْعَلْ -مَعَ سُقُوطِ الْأَعْذَارِ- عُدَّ وَلَا بُدَّ مُفَرِّطًا، وَأَثَّمَهُ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ الْمُبَادَرَةَ هِيَ الْمَطْلُوبُ، لَا أَنَّهُ -عَلَى التَّحْقِيقِ- مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ؛ فَإِنَّ آخِرَهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَإِنَّمَا الْمَعْلُومُ مِنْهُ مَا فِي الْيَدِ الْآنَ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَصْلِنَا الْمَذْكُورِ؛ فَلَا تَعُودُ عَلَيْهِ بِنَقْضٍ٢.
وَأَيْضًا؛ فَلَا يُنْكَرُ اسْتِحْبَابُ الْمُسَابَقَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ، لَكِنْ بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ الْمُؤَخِّرُ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ مُقَصِّرًا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنِ الْوَقْتُ عَلَى حُكْمِ التَّوْسِعَةِ، وَهَذَا كَمَا فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ؛ فَإِنَّ لِلْمُكَلَّفِ الِاخْتِيَارَ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُخَيَّرِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَجْرُ فِيهَا يَتَفَاوَتُ؛ فَيَكُونُ بَعْضُهَا أَكْثَرَ أَجْرًا مِنْ بَعْضٍ، كَمَا يَقُولُ بِذَلِكَ [مَالِكٌ] فِي الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ رَمَضَانَ، مَعَ وُجُودِ التَّخْيِيرِ فِي الْحَدِيثِ, وَقَوْلُ مَالِكٍ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، أَوِ الْقَتْلِ، أَوْ غَيْرِهِمَا، هُوَ مُخَيَّرٌ فِي أَيِّ الرِّقَابِ شاء، مع أن الأفضل أعلاها ثمنا،
١ في الأصل: "المبالغة".٢ في "م": "بنقص" بالصاد المهملة.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute