للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

من الحل، ومع ذلك لم ينزلها الجويني منزلة الضرورة بإباحة ترك التربص إلا بعد تردد، وإعمال النظر الفقهي، فتنزيل الحاجة الخاصة منزلة الضرورة الخاصة مطلقًا هو إلغاء للضرورة، فتكون العبرة في جواز المحرمات هي الحاجة فقط.

إن عدم مراعاة هذه الأمور يوقع في إشكالات، وإن الناظر للتطبيقات الفقهية التي تضرب مثالًا للقاعدة، والاستدلال بالقاعدة على بعض القضايا يدرك مدى الإشكال الذي سببه الإطلاق في القاعدة، دون مراعاة لما قصده صاحب القاعدة بها، وما مفهوم الحاجة والضرورة عنده؟، وما التطور الذي حصل لهما مع الزمن؟، وليست المشكلة في التطبيقات والأمثلة التي ورد الشرع بجوازها، والتي ذكرها الجويني والزركشي عند ذكرهم للقاعدة، والتي يذكرها أكثر من كتب عن القاعدة، فهذه لا إشكال فيها، ولم يقرر الجويني القاعدة لبيان جواز هذه الأمثلة أو ليستدل بالقاعدة لبيان جوازها فالسنة كافية، وإنما وقع الإشكال في التطبيقات التي لم يرد جوازها في الشرع، أو في الاستدلال بهذه القاعدة على جواز بعض النوازل، والمستجدات.

ومن التطبيقات التي ذكرها بعض المؤلفين مثالًا للحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة، وتبين مشكلة الإطلاق في القاعدة بيع الوفاء (١)، وهو"البيع بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري إليه المبيع" (٢). وهو احتيال على الربا (٣)، فقد جوزه مشايخ بلخ بخارى الحنفية لحاجة الناس العامة له بسبب كثرة الديون (٤)، ومعلوم أن الربا من أكل أموال الناس بالباطل، وهو من قسم الضرورة التي ذكر الجويني أن الحاجة لا تبيحها، ولا


(١) انظر: المدخل الفقهي العام، للزرقا ٢/ ١٠٠٦، نظرية الضرورة الشرعية، لوهبة الزحيلي، ص ٢٦٦.
(٢) مجلة الأحكام العدلية، ص ٣٠
(٣) انظر: حاشية ابن عابدين ٤/ ٥٢٣.
(٤) انظر: الأشباه والنظائر، لابن نجيم، ص ٦٨، نظرية الضرورة الشرعية، لوهبة الزحيلي، ص ٢٦٦.

<<  <   >  >>