. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ مَنْ؟ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ، وَأَقَامَ عَلَى ظُلْمِكُمْ. فَأَسْكَتَ الرَّجُلَ وَجَعَلَ يَلْتَفِتُ إلَى مَا وَرَاءَهُ يَطْلُبُ مُخَلِّصًا فَقَالَ: وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَوْلَا أَنَّهُ أَوَّلُ مُقَامٍ قُمْتُهُ ثُمَّ إنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْتُ إلَيْك فِي هَذَا قَبْلُ لَأَخَذْت الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك اُقْعُدْ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْخُطْبَةِ.
(الثَّامِنَةُ) لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِنَبِيِّنَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَلْ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - كَذَلِكَ فِي أَنَّهُمْ لَا يُوَرَّثُونَ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي نَقَلْنَاهَا فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ «لَا نُورَثُ» فَجَمَعَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ مُشَارَكَةِ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «إنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سُنَنِهِ. وَوَرَدَ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُمَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ
وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَإِنَّهُ قَدْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم: ٦] وَزَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ وِرَاثَةُ الْمَالِ. قَالَ: وَلَوْ أَرَادَ وِرَاثَةَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَقُلْ {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي} [مريم: ٥] إذْ لَا يُخَافُ الْمَوَالِي عَلَى النُّبُوَّةِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} [النمل: ١٦] وَالْحَقُّ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَالْمُرَادُ بِقِصَّةِ زَكَرِيَّا وَدَاوُد وِرَاثَةُ النُّبُوَّةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْإِرْثِ بَلْ قِيَامَهُ مَقَامَهُ وَحُلُولَهُ مَكَانَهُ، وَلَوْ أُرِيدَ وِرَاثَةُ الْمَالِ لَمْ يَكُنْ فِي الْإِخْبَارِ بِإِرْثِ سُلَيْمَانَ لِدَاوُدَ كَبِيرُ فَائِدَةٍ لِمَا عُلِمَ مِنْ إرْثِ الْأَوْلَادِ لِأَمْوَالِ آبَائِهِمْ بِخِلَافِ الْمِلْكِ وَالْعِلْمِ وَالنُّبُوَّةِ.
(التَّاسِعَةُ) قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - لَا يُورَثُونَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَرَثَةِ مَنْ يَتَمَنَّى مَوْتَهُ فَيَهْلِكَ وَلِئَلَّا يُظَنَّ بِهِمْ الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا لِوَارِثِهِمْ فَيَهْلِكَ الظَّانُّ وَيَنْفِرَ النَّاسُ عَنْهُمْ. قُلْتُ: وَلِأَنَّهُمْ أَحْيَاءُ وَلِهَذَا وَجَبَتْ نَفَقَةُ زَوْجَاتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَعْدَ مَوْتِهِ؛ وَلِأَنَّهُمْ لِعِظَمِ شَأْنِهِمْ لَا تَكُونُ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إلَّا عَائِدَةً عَلَى أُخْرَاهُمْ، وَلَا يُسْلَبُونَ مَنْفَعَةَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَلَوْ وُرِثُوا لَسُلِبُوا مَنْفَعَةَ مَا وَرِثُوهُ وَكَانَ الِانْتِفَاعُ بِهِ إنَّمَا هُوَ لِوَرَثَتِهِمْ لَا لَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ» وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إنَّمَا الْمَالُ الْآنَ لِلْوَارِثِ وَهَذَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.