قال: واليقين لا يمنع الموقنين من طلب الحظ الوافي من الدنيا، وإنما يدل على ترك
الفضول رضا بالقليل، وزهد في الكثير اتباعًا لرسول رب العالمين - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه فإنهم أئمة المتوكلين، والزاهدين مع ما وصفنا من الأمن بما لك، والإياس مما ليس لك، وإن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ومن زعم أن اليقين يمنع طلب القوت والكفاف فقد جهل اليقين وخالف سنن السلف الصالحين، فقد تقدم في ذلك مع صدق التوكل الأنبياء وأتباعهم، وخلافهم خلاف الحق، وموافقتهم موافقة الحق والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
[١٢٢٠] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن قال سمعت أبا عثمان سعيد بن إسماعيل يقول: قال الله تبارك وتعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا}(١).
فاللّه الوكيل الكافي لأنه بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير، وهو على كل شيء حفيظ، وهو العزيز الحكيم، وهو الغني الحميد، فالمتوكل عليه هو المكتفي به، وكما أنه الكافي لعبده، لا حاجة له إلى أحد في كفايته لعبده، وكذلك المتوكل عليه المكتفي به غني به مستغن به عن جميع خلقه لا حاجة به فيما يحتاج إليه إلى غير ربه.
وبسط الكلام في ذلك ثم قال: فالمتوكل عليه هو الاكتفاء به معتمدًا عليه وحده.
[١٢٢١] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الحسن علي بن أحمد البوشنجي أنه سئل عن التوكل فقال: التبرئة من حولك وقوتك، وحول مثلك وقوة مثلك.
(١) وردت هذه الجملة في القرآن الكريم في خمسة مواضع (النساء ٤/ ٨١، ١٣٢، ١٧١) (الأحز اب ٣٣/ ٣، ٤٨). (٢) سورة الإسراء (١٧/ ٢) وفي (ن) "ولا تتخذوا".
[١٢٢١] أبو الحسن علي بن أحمد البوشنجي (م ٣٤٨ هـ). من مشايخ الصوفية. كان أوحد فتيان خراسان، لقي أبا عثمان وصحب بالعراق ابن عطاء والجريري، وبالشام طاهرًا وأبا عمرو الدمشقي. قال السلمي: هو من أعلم مشايخ وقته بعلوم التوحيد، وعلوم المعاملات. وأحسنهم طريقة في الفتوة والتجريد. وكان ذا خلق، متدينا، متعهدًا للفقراء. راجع "طبقات الصوفية" (٤٥٨ - ٤٦١)، "الحلية" (١٠/ ٣٧٩)، "الرسالة القشيرية" (١/ ١٨٣)، "المنتظم" (٦/ ٣٩١)، "طبقات السبكي" (٢/ ٢٤٤).