حرف يختلف معناه وحكمه باختلاف ما يجيء بعده من جملة أو مفرد.
أ- فإن دخل على جُملة فهو حرف ابتداء فقط، ومعناه إما:"الإضراب الإبطالي"، وإما:
"الإضراب الانتقالي". فالابطالي١: هو الذي يقتضي نفي الحكم السابق، في الكلام قبل "بل"، والقطع بأنه غير واقع، ومدعيه كاذب، والانصراف عنه واجب إلى حكم آخر يجيء بعدها. نحو: الأجرام السماوية ثابتة، بل الأجرام السماوية متحركة. فالحرف "بل""بمعنى "لا" النافية" أفاد الإضراب الإبطالي الذي يقتضي نفي الثبات ونفي عدم الحركة عن الأجرام السماوية: لأن هذا الثبات أمر غير حاصل، ومن يدعيه كاذب، فكأن المتكلم قال:"الأجرام السماوية ثابتة. لا، فالأجرام السماوية متحركة وليست ثابتة"؛ فأبطل الحكم الأول ونفاه، وعرض بعده حكمًا جديدًا. ومن الأمثلة قوله تعالى في المشركين:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} ، أي: بل هم٢ عبادٌ مكرمون. فقد أبطل الحكم السابق، ونفاه، وأثبت حكما آخر بعده: فكأن الأصل: "وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا. لا؛ فان الذين اتخذهم هم عباد مكرمون". ومثل قوله أيضا ترديدا لما يقوله الكفار عن الرسول عليه السلام:{أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ٣ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ} . والانتقاليّ هو: الذي يقتضي الانتقال من غرض قبل الحرف: "بلْ" إلى غرض جديد بعده، مع إبقاء الحكم السابق على حاله، وعدم إلغاء ماي قتضيه. كقوله تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ ٥ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} .
فالغرض الذي يدور حوله الكلام قبل:"بل" هو: الطاعة، "بالطهارة من الذنوب، وبعبادة الله، وبالصلاة ... "، والغرض الجديد بعدها هو حب
اسبقت الإشارة إلى معناه في رقم ١ من هامش ص٥٩٧. ٢ الدليل على أن العرف: "بل" داخل على جملة اسمية، المبتدأ فيها محذوف هو: رفع كلمة: "عباد" إذ لا وجه لإعرابها وهي مرفوعة غير ما سلف، وهو الذي يقتضيه المعني أيضًا. ومثل هذا يقال في كلمة: "أحياءٌ" المرفوعة في قوله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ، أي بل هم أحياء. ٣ جنون. ٤ تَطَهَّر. ٥ تفضلون وتختارون.