هذا إلى أن النفس فعلت ذلك (١) إيجاب العجز أو المسامحة في العبث على أصله للباري، تعالى عن ذلك. وقد بينا هذا (٢) في كتاب (٣)" الفصل " بيانا كافيا. وإنما العقل قوة تميز بها النفس جميع الموجودات على مراتبها وتشاهد بها ما هي عليه من صفاتها الحقيقية لها فقط وتنفي بها عنها ما ليس فيها. فهذه حقيقة حد العقل ويتلوه في ذلك الحواس سواء سواء، وهذا التميز هو حد إدراك العقل الذي لا إدراك له غيره. وأما حد منفعة العقل فهي استعمال الطاعات والفضائل، وهذا الحد ينطوي فيه اجتناب المعاصي والرذائل، والكلام في هذا وغيره مما هو متصل به (٤) مستوعب، إن شاء الله تعالى، في كتابنا " في أخلاق النفس "(٥) .
واعلم أن الأكثر في الناس جدا فالغالب عليهم الحمق وضعف العقول، والعاقل الفاضل نادر جدا وقليل البتة، وهذا يوجد حسا. وقد ورد النص بذلك عن الخالق الأول وعن خيرته المبتعث إلينا صلى الله عليه وسلم،. قال تعالى:{وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله}(الأنعام: ١١٦) . وقال رسول الله [٨١ظ] صلى الله عليه وسلم: " الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة "(٦) . وأما ما (٧) يظنه أهل ضعف العقول من أنه عقل وليس عقلا ولا مدخل للعقل فيه فقد غلطوا في ذلك كثيرا، فإنهم يظنون العقل إنما هو ما حيطت به السلامة في الدنيا ووصل به إلى الوجاهة والمال (٨) ؛ وهذا إذا
(١) س: ذلك في. (٢) س: ذلك. (٣) كتاب: سقطت من س. (٤) به: سقطت من س. (٥) هي رسالته في مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق، انظر الجزء الأول من رسائله: ٣٢٣ - ٤١٤. وقد تحدث فيها عن حد العقل فقال: " وأما إحكام أمر الدنيا والتودد إلى الناس بما وافقهم وصلحت عليه حال المتودد من باطل وغيره أو عيب أو ما عداه، والتحيل في إنماء المال وبعد الصوت وتمشية الجاه بكل ما أمكن من معصية ورذيلة، فليس عقلاً ... لكن هذا الخلق يسمى الدهاء (الرسائل ١: ٣٧٩) ، وقال أيضاً: " حد العقل استعمال الطاعات والفضائل، وهذا الحد ينطوي فيه اجتناب المعاصي والرذائل (رسائل ١: ٣٧٨) . (٦) صحيح مسلم (فضائل الصحابة) : ٢٣٢ ومسند أحمد ٢: ٧، ٤٤، ٧٠ ... (٧) ما: سقطت من س. (٨) انظر التعليق السابق رقم: ٥ المنقول عن رسالته في مداواة النفوس.