كان أبو إسحاق هذا صدر الندي، ونكتة الخبير الجلي، وديوان اللسان العربي، راض صعابه، وسلك أوديته وشعابه، وجمع أشتاته، وأحيا مواته، حتى صار لأهله إماما، وعلى جده وهزله زماماً، وطنت به الأقطار، وشدت إليه الأقتاب والأكوار، وأنفقت فيما لديه الأموال والأعمار، وهو يقذف البلاد بدرر صدفها الأفكار، وسلوك ناظمها الليل والنهار، عارض أبا بحرٍ الجاحظ بكتابه الذي وسمه ب - " زهر الآداب، وثمرة الألباب "، فلعمري ما قصر مداه، ولا قصرت خطاه، ولولا أنه شغل أكثر أجزائه وأنحائه، ومرج يحبو حمى أرضه وسمائه، بكلام أهل العصر دون كلام العرب، لكان كتاب الأدب، لا ينازعه ذلك إلا من ضاق عنه الأمد، وأعمى بصيرته الحسد، ثم أخذ (٢) بعد ذلك في إنشاء التواليف الرائقة، والتصانيف الفائقة ككتاب " النور والنور "(٣) وكتاب " المصون من الدواوين "(٤) ، إلى عدة رسائل وأشعار، أندى من نسيم الأسحار، وأذكى من
(١) ترجمة الحصري أبي إسحاق في معجم الأدباء ٢: ٩٤ - ٩٧ وابن خلكان ١: ٥٤ والوافي للصفدي ٦: ٦١ ومسالك الأبصار ١١: ٣٠٩ وعنوان الأريب ١: ٤٣؛ وقد اختلف في وفاته فقال ابن رشيق كما نقل عنه ياقوت توفي سنة ٤١٣ وقال ابن بسام سنة ٤٥٣ ورجح ابن خلكان القول الأول دون أن يذكر سبباً لذلك، ولعله اعتمد على أن ابن رشيق أدرى بذلك من غيره؛ ونقل الصفدي عن كتاب الجنان لابن الزبير أن الحصري ألف زهر الآداب سنة ٤٥٠. (٢) في المسالك: ثم غبر؛ ص: ثم أجد. (٣) يسميه الصفدي: نور الظرف ونور الطرف، ويقول إنه اختصر فيه كتابه زهر الآداب، وينقل التجاني في تحفة العروس: ١١٥ عما يسميه كتاب النورين للحصري وكذلك يسميه ياقوت، ومرة أخرى ينقل التجاني عن نور الطرف: ١٣٨؛ وانظر عيون التواريخ (الفاتح رقم: ٤٤٤١) ٧: ٥٧. (٤) يسميه الصفدي: المصون في سر الهوى المكنون، وعند ياقوت، المصون والدر المكنون؛ ومن هذا الكتاب نسخة بخزانة شيخ الإسلام بالمدينة المنورة، ذكرها الدكتور محمد بن سعد الرويشد في مقارنة أجراها بين طوق الحمامة والمصون (مجلة الفيصل، السنة الأولى، عدد ١٠ ص ١٦ - ٢١) وانظر بروكلمان ١: ٢٦٧.