وهو ممن طرأ (٢) ذكره، وانتهى إليّ شعره، إذ ضرب في الأدب بأعلى قدح، وافتر عنه على أوضح صبح، وأقام دوحه على سوقه، وبنى المنازل (٣) على سواء طريقه، ورأيت أبا علي بن رشيق قد ذكره في ما اندرج من كلامه في شعراء " الأنموذج "، وأعرب عن فضائله، وأوضح ما لم يخف من دلائله (٤) ، ولعل بعض من يتصفح كتابي هذا يقول: إن شعراء الأنموذج مائة شاعر وشاعرة، وأكثرهم كان في المائة الخامسة من الهجرة، تقاربت موالدهم، وتشابهت مصادرهم ومواردهم، أفلا ذكرهم عن آخرهم، وما له اقتصر على بعضهم دون سائرهم -! فبعض الجواب أني كثرت بهذا الكتاب عددي، وجردته في محاسن أهل بلدي، ثم عرضت بعد معارضته أبا منصور، بذكر من هنالك من شاعر مشهور، واجتلاب ما يتعلق بذلك من خبرٍ مأثور، فأشرت إلى ذكر من كان في هذا الوقت المؤرخ ممن طال (٥) طلقه، وشرق أفقه.
(١) سماه ابن خلكان (٦: ١٩) عبد الله بن محمد التنوخي وكنيته أبو محمد؛ وفي أحد أصول ابن خلكان " أبو عبد الله محمد بن محمد "؛ وقد ترجم له في المسالك ١١: ٣٠٤ (وفيه نقل عن الذخيرة والأنموذج) ومر ذكره في كتاب التعريف بالقاضي عياض ٧٢؛ وميلة التي ينتسب إليها تقع في الجزائر. (٢) المسالك: طار. (٣) المسالك: وابتنى منازله. (٤) قال فيه ابن رشيق (كما نقل العمري) : هو شاعر لسن مقتدر يؤثر الاستعارة، ويكثر الزجر والعيافة ويسلك طريق ابن أبي ربيعة وأصحابه في نظم الأقوال والحكايات (واستشهد على ذلك بفائيته) . (٥) ص: كان.