تؤكده، وهذه الآية تخالف ذلك، فإذاً بطل التأكيد في المعنى (١) ؛ وما معنى (فخر عليهم السقف من فوقهم)(النحل: ٢٦) وهل يكون سقف من تحتهم فيقع لبس يحتاج إلى إيضاحه بذكر فوق وتحت (٢) - ونحو منه قوله تعالى (يخافون ربهم من فوقهم)(النحل: ٥٠) وهل لهم رب من تحتهم - وما معنى فوق ها هنا، وهل تدل على اختصاص مكان - وما معنى قوله (كلمح البصر أو هو أقرب)(النحل: ٧٧) وما هذا الأقرب - وما معنى قوله (فهي كالحجارة أو أشد قسوة)(البقرة: ٧٤) وهل شيء أشد قسوة من الحجارة (٣) - وما معنى قوله (إلهين اثنين)(النحل: ٥١) وهل بعد قوله (إلهين) إشكال بأنهم أربعة فيستفيد بقوله اثنين ثبات المعنى - وما معنى قوله (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى)(البقرة: ٢٨٢) هلا كان أوجز وأشبه بالمذهب اشرف في العربية - وما معنى قوله (أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم)(النحل: ٤٧) ومن أين تناسب الرأفة والرحمة هذا الأخذ الشديد على التخوف الذي يقتضي العفو والغفران -
(١) قال الزمخشري: فإن قلت: الغربيب تأكيد للأسود، يقال أسود غربيب وأسود حلكوك.. ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد كقولك أصفر فاقع وأبيض يقق وما أشبه ذلك قلت: وجهه أن يضمر المؤكد قبله ويكون الذي بعده تفسيراً لما أضمر كقول النابغة " والمؤمن العائذات الطير " وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد حيث يدل على المعنى الواحد من طريقي الإضمار والإظهار جميعاً (الكشاف ٣: ٣٠٧) . (٢) الوجه في " فوق " هنا في قوله " وهو القاهر فوق عباده " أي أنهم يخافون ربهم عالياً قاهراً لهم (انظر الكشاف ٢: ٤١٣) ؛ وقوله " كلمح البصر أو هو أقرب " أي كما تبالغون أنتم حين تستقربون شيئاً (نفسه: ٤٢١) ؛ وقوله " إلهين اثنين " الوجه فيه: إن الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين على الجنسية والعدد المخصوص فإذا أريد التأكيد على أن المقصود هو العدد شفع بما يؤكده فقيل إلهين اثنين أو رجل واحد.. الخ (نفسه: ٤١٣) ويأخذهم على تخوف أي وهم متوقعون وقيل هو أن يأخذهم على أن يتنقصهم شيئاً بعد شيء في أنفسهم وأموالهم وبذلك تكون الرأفة والرحمة حيث يحلم عنهم ولا يعاجلهم مع استحقاقهم (نفسه: ٤١١) . (٣) إن قلت لم قيل أشد قسوة وفعل القسوة مما يخرج منه افعل التفضيل وفعل التعجب قلت: لكونه أبين وأدل على فرط القسوة، ووجه آخر وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القوة بالشدة كأ، هـ - قيل اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة (الكشاف ١: ٢٩٠) ولم يورد الزمخشري توجيهاً لتكرير كلمة " أحداهما " في الآية ٢٨٢ من سورة البقرة، وذهب أبو حيان إلى أنه أبهم الفاعل في أن تضل بقوله " إحداهما " ولهذا أيهم الفاعل في " فتذكر " فكرر إحداهما، إذ كل من المرأتين يجوز عليها الضلال والاذكار فلم يرد بإحداهما معينة (البحر المحيط ٢: ٣٤٩) .