للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المقلد يمكن أن يصير عالماً، ولا يمكن للمفتي أن يصير نبيّا ورسولاً يوحى إليه.

فلو دلَّ مقلد مقلداً آخر على مفتٍ عالم فأفتاه، ثم اختلف المفتي والدّال فإن الواجب المحتم على المستفتي قبول قول المفتي دون المقلِّد الذي دلَّ عليه وعرَّفه به، فلو قال له الدالّ: الصواب معي دون المفتي؛ لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفتٍ، فإذا قدَّمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفتٍ، فيلزم القدح في فرعه، لقال له المستفتي: أنت لمّا شهدت بأنه مفتٍ، شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك وموافقتي لك في هذا العالم المعين _ وهو كونه مفتياً _ لا يستلزم موافقتك في كل مسألة، لأن إصابتك الحق، في إدراك أنه مفتٍ لا يستلزم إصابتك الحق في كل شيء، بل يجب عليك تقليده كما يجب عليّ بشهادتك أنت، هذا مع العلم بأن المفتي يجوز عليه الخطأ، والعقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله ولا يجوز عليه الخطأ.

وهذا من أحسن الأمثلة المضروبة للنقل مع العقل، ويقضي على أصلهم الذي يقرر أن العقل أصل، والشرع فرع فيجب تقديم العقل.

فلو قدر وقوع تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع لا العقل وذلك لأمور:

١ - أن العقل قد صدَّق الشرع ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره، ومعلومٌ أن الشرع لم يصدِّق العقل في كل ما أقرَّه أو أخبر به.

٢ - أن العقل دلَّ على صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما أخبر، وعلى وجوب طاعته فيما أمر.

٣ - أن العقل يغلط كما يغلط الحس، بل أكثر، فإذا كان حكم الحس من أقوى الأحكام ويعتريه الغلط؛ فما ظنُّك بالعقل؟

٤ - أن العقل له حدود يقف عندها ولا يستطيع أن يتجاوزها، خصوصاً فيما

<<  <  ج: ص:  >  >>