للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بطل العقل بطل السمع والعقل معاً، وهذه من قواعد المتكلمين، قلنا: قد اعترضهم في ذلك المحققون بأن العلوم يستحيل تعارضها في العقل والسمع فتعارضها تقدير محال، فإنه لو بطل السمع أيضاً بعد أن دلَّ العقل على صحته لبطلا أيضاً معاً، لأن العقل قد كان حكم بصحة السمع وأنه لا يبطل، فحين بطل السمع علمنا ببطلانه بطلان الأحكام العقلية» (١).

الوجه السابع: أن الحكم للعقل بالتقديم المطلق ممتنع متناقض، لأن كون الشيء معلوماً بالعقل أو غير معلوم بالعقل ليس صفة لازمة لشيء من الأشياء، بل هو من الأمور النسبية، فإن زيداً قد يعلم بعقله ما لا يعلمه عمرو، كما أن الإنسان قد يعقل شيئاً ما في وقت، ويجهله في وقت آخر، فأكثر العقلاء _ مثلاً _ يعلمون أن كون العالم عالماً بلا علم وحيّاً بلا حياة، ومريداً بلا إرادة، وسميعاً بصيراً بلا سمع ولا بصر، محال بضرورة العقل، بينما يقول بعض المتكلمين: إن ذلك هو الواجب في حق الله تعالى مستدلين على ذلك بالعقل، وبهذا تعلم أن الرد إلى العقول عند النزاع لا يزيد المختلفين إلا اختلافاً واضطراباً، وشكّاً وارتياباً وعلى هذا لا يمكن الحكم بين الناس في موارد النِّزاع والاختلاف إلا بكتاب منزل من السماء يرجع الجميع إلى حكمه، وإلا فكل واحد من أرباب المعقولات يقول: عقلي بالثقة به أولى من عقل من ينازعني.

وقول المصنف: "ومنها ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل، ويكونون غالطين في ذلك، فإنه إذا وزن بالميزان الصحيح وجد ما يعارض الكتاب والسنة من المجهولات لا من المعقولات، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع".

العقل مع الوحي كما العامِّي مع المفتي، بل ودون ذلك بمراتب كثيرة، فإن


(١) "إيثار الحق" صـ ١١٧ إلى ١١٩ وأشار إلى أن ممن ذكر ذلك ابن تيمية وابن دقيق العيد والزركشي.

<<  <  ج: ص:  >  >>