للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وجدت أنها كلها متفقة على تقديم الوحي على العقل، فلم يؤسسوا مقالاتهم على ما أسسها المتكلمون، من تقديم عقولهم على نصوص الوحي (١).

ويؤيد هذا ما حكاه الشهرستاني والصفدي عن الجهم أنه موافق للمعتزلة في إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع (٢).

ويقول ابن أبي العز: «ولا شكَّ أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا عن سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن عقلهم دلَّهم عليه» (٣).

ولا ريب أن عقيدة لم يأخذها صاحبها لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من فهم أئمة الصحابة والتابعين لا ريب أنها عقيدة إبليسيَّة مستقاة من منهج إبليسيٍّ،


(١) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٨٢١).
(٢) الملل والنحل (١/ ٧٤)، و: الوافي بالوفيات (١١/ ١٩٠ - ١٩١).
وهذه الجملة تحتمل معاني عدة:
الأول: القول بالتحسين والتقبيح العقليين، كما هو قول المعتزلة.
الثاني: وجوب معرفة الله تعالى بالعقل، بمعنى أن من لم يعرف الله قبل ورود الشرع فهو آثم ويستحق العذاب. وهذا هو أقوى الاحتمالات، لأن مسألة وجوب معرفة الله تعالى، أهو عقلي أم شرعي؟ من أشهر مسائل علم الكلام.
الثالث: أن هذه الجملة تشير إلى منهج جهم العام في تقديم العقل على النقل. وهذا، وإن كان أضعف من الاحتمال الأول والثاني، إلا أنه لازمه.
الرابع: حصول معرفة الله تعالى بالعقل، بمعنى أن معرفة الله تعالى أمر عقلي. وهذا الرابع -وإن كان يقول به الجهم-إلا أنه ليس مراد الشهرستاني، بدليل أنه قال إن جهما (موافق للمعتزلة) في هذا الأمر، مخالف للأشعرية، كما يدل السياق على ذلك. فالأشاعرة وافقوا المعتزلة في قولهم إن معرفة الله تعالى أمر عقلي، ولكنهم خالفوهم في وجوب المعرفة: هل هو شرعي أم عقلي؟ فثبت أن هذا المعنى الرابع ليس مراداً للشهرستاني، والله أعلم.
(٣) -شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>