للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


=
[الصنف الأول]: طائفة تقول نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت فلا ننفي النقيضين بل نسكت عن هذا وهذا فنمتنع عن كل من المتناقضين لا نحكم لا بهذا ولا بهذا فلا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم ومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحلاج وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته وحبه وذكره وعبادته ودعائه.
وهؤلاء من جنس السوفسطائية المتجاهلة اللا أدرية الذين يقولون لا نعلم هل الحقائق ثابتة أو منتفية وهل يمكن العلم أو لا يمكن فإن السفسطة أنواع أحدهما قول هؤلاء
والصنف الثاني: قول أهل التكذيب والجحود والنفي الذين يجزمون بنفي الحقائق والعلم بها.
والصنف الثالث: الذين يجعلون الحقائق تتبع العقائد فمن اعتقد ثبوت الشيء كان في حقه ثابتا ومن نفاه كان في حقه منتفيًا ولا يجعلون للحقائق أمرا هي عليه في أنفسها.
والصنف الرابع: قول من يقول الحقائق موجودة لكن لا سبيل إلى العلم بها إما لكون العالم في السيلان فلا يمكن العلم بحقيقته وإما لغير ذلك.
وهذه الأنواع الأربعة موجودة في هؤلاء الملاحدة:
الأول: فمنهم الواقفة المتجاهلة الذين يقولون لا نثبت ولا ننفي.
الثاني: ومنهم المكذبة الذين ينفون.
الثالث: ومنهم من يجعل الحقائق تتبع العقائد كما يحكى عن طائفة تصوب كل واحد من القائلين للأقوال المتناقضة وكما يقوله من يقوله من أصحاب الوحدة ابن عربي ونحوه بأن كل من اعتقد في الله عقيدة فهو مصيب فيها حتى قال:
عقد الخلائق في الإله عقائدا … وأنا اعتقدت جميع ما عقدوه
وأما الرابع: فهو منتهى قول أئمة الجهمية وهو الحيرة والشك لتكافؤ الأدلة عند بعضهم أو لعدم الدليل المرشد عند بعضهم وهذا عند أصحاب الوحدة هو أعلى العلم بالله تعالى والكلام في هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع"
والجواب على زعم هؤلاء: فإنه يقال لهؤلاء النفاة أنتم نفيتم هذه الأسماء فرارا من التشبيه فإن اقتصرتم على نفي الأثبات شبهتموه بالمعدوم، وإن نفيتم الأثبات والنفي جميعا فقلتم ليس بموجود ولا معدوم شبهتموه بالممتنع، فأنتم فررتم من تشبيهه بالحي الكامل فشبهتموه بالحي الناقص، ثم شبهتموه بالمعدوم، ثم شبهتموه بالممتنع فكنتم شرًا من المستجير من الرمضاء بالنار وهذا لازم لكل من نفى شيئًا مما وصف الله به نفسه لا يفر من محذور إلا وقع فيما هو مثله أو شر منه مع تكذيبه بخبر الله وسلبه صفات الكمال الثابتة لله".
وقال ابن تيمية أيضًا في معرض الرد عليهم: "قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا، ويمتنع أن يوصف باجتماع الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل".
وخلاصة هذا: أنهم إن فروا من تشبيهه بالموجودات، وفروا من تشبيهه بالمعدومات بأن زعموا أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين فإنهم بقولهم هذا وقعوا في شر مما فروا منه لأنهم بهذا القول شبههوه بالممتنعات.
وقد اعترض هؤلاء على هذا القول بأن بأن التقابل هنا هو من تقابل العدم والملكة وليس من تقابل السلب والإيجاب.
وقد أجاب المصنف على هذه الشبهة كذلك فيما سبق من كلامه في أكثر من موطن فليرجع إليها في تلك المواضع، وإن كان الحاجة تمس هنا لإعادة ما سبق بيانه بالنظر إلى الحاجة لفهم النص هنا بالإضافة إلى أن هنا أمورًا لم يسبق التعرض لها في المواطن السابقة فتحتاج إلى بيان وإيضاح.

<<  <  ج: ص:  >  >>