للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وتدفع له صحاحاً كما قال، فقبض الشيخ مائة دينار ذهباً، فكاد أن يخرج من عقله، وأن يجنً عند قبضها من الفرح، وجاء محتفلاً في شكر المنصور، وصارت قصّته خبراً سائراً.

ومن ذلك أيضاً بناء قنطرة على نهر إستجّة، وهو نهر شنّيل، وتجشم لها أعظم مؤنة، وسهل الطريق الوعرة والشعاب الصعبة.

ومن ذلك أيضاً أنّه خط بيده مصحفاً كان يحمله معه في أسفاره يدرس فيه، ويتبرك به.

ومن قوّة رجائه أنّه اعتنى بجمع ما علق بوجهه من الغبار في غزواته ومواطن جهاده، فكان الخدم يأخذونه عنه بالمناديل في كل منزل من منازله، حتى اجتمع له منه صرّة ضخمة، عهد بتصييره في حنوطه، وكان يحملها حيث سار مع أكفانه، توقّعاً لحلول منيّته، وقد كان اتخذ الأكفان من أطيب مكسبه من الضيعة الموروثة عن أبيه وغزل بناته، وكان يسأل الله تعالى أن يتوفّاه في طريق الجهاد، فكان كذلك.

وكان متّسماً بصحة باطنه، واعترافه بذنبه، وخوفه من ربّه، وكثرة جهاده، وإذا ذكّر بالله ذكر، وإذا خوّف من عقاره ازدجر، ولم يزل متنزهاً عن كل ما يفتتن به الملوك سوى الخمر، لكنّه أقلع عنها قبل موته بسنتين (١) ، وكان عد له في الخاصة والعامة وبسط الحق على الأقرب فالأقرب من خاصّته وحاشيته أمراً مضروباً به المثل.

ومن عدله أنّه وقف عله رجل من العامة بمجلسه، فنادى: يا ناصر الحق، إن لي مظلمة عند ذلك الوصيف الذي على رأسك، وأشار إلى الفتى صاحب الدرقة، وكان له فضل محلّ عنده، ثمّ قال: وقد دعوته إلى الحكم فلم يأت، فقال له المنصور: أو عبد الرحمن بن فطيس بهذا العجز والمهانة، وكنّا


(١) ق ط ج: بسنين.

<<  <  ج: ص:  >  >>