الخيل، واستفحل ملكه، وباشر الأمور بنفسه، وفي خلال فتنة كانت بينه وبين عميه اغتنم العدوّ الكافر الفرصة في بلاد المسلمين، وقصدوا (١) برشلونة فملكوها سنة خمس وثمانين، وتأخرت عساكر المسلمين إلى ما دونها، وبعث الحكم العساكر مع الحاجب عبد الكريم بن مغيث (٢) إلى بلاد الجلالقة، فأثخنوا فيها، وخالفهم العدو إلى المضايق، فرجع على التعبية، وظفر بهم، وخرج إلى بلاد الإسلام ظافراً.
وكانت له الواقعة الشهيرة مع أهل الرّبض (٣) من قرطبة لأنّه في صدر ولايته كان قد انهمك في لذّاته، فاجتمع أهل العلم والورع بقرطبة، مثل يحيى بن يحيى الليثي (٤) صاحب مالك وأحد رواة الموطّإ عنه وطالوت الفقيه (٥) وغيرهما، فثاروا به، وخلعوه، وبايعوا بعض قرابته، وكانوا بالرّبض الغربيّ من قرطبة، وكان محلّةً متصلةً (٦) بقصره، فقاتلهم الحكم فغلبهم وافترقوا وهدم دورهم ومساجدهم، ولحقوا بفاس من أرض العدوة، وبالإسكندرية من أرض المشرق، ونزل بها جمع منهم، ثم ثاروا بها، فزحف إليهم عبد الله بن طاهر صاحب مصر للمأمون بن الرشيد، وغلبهم، وأجازهم إلى جزيرة أقريطش، فلم يزالوا بها إلى أن ملكها الإفرنج من أيديهم بعد مدّة.
(١) في الأصول: وقصد. (٢) الصواب: عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث. (٣) انظر تفصيل الخبر عن هيج أهل الربض أولاً سنة ١٨٩ وثانياً سنة ٢٠٢ في ابن عذاري ٢: ١٠٦، ١١٣ وابن القوطية: ٧٢ والحلة السيراء ١: ٤٤ وأوجز ابن خلدون الخبر عن وقعتهم ٤: ١٢٦. (٤) يحيى بن يحيى الليثي: مصمودي سمع مالك وعاد إلى الأندلس بعلم كثير وأصبح يفتي فيها برأي مالك (توفي سنة ٢٣٣ أو ٢٣٤) راجع ترجمته في ابن الفرضي ٢: ١٧٦ والجذوة: ٣٥٩ وبغية الملتمس رقم ١٤٩٧ وابن خلكان ٥: ١٩٤؛ وسيترجم له المقري في الراحلين إلى المشرق رقم: ٢. (٥) راجع ترجمة طالوت بن عبد الجبار في الذيل والتكملة ٤: ١٤٩ وابن القوطية: ٧٥ - ٧٧ والتكملة: ٣٤٥. (٦) في الأصول: محله متصلاص، والتصويب عن ابن خلدون.