وقال السلطان يعقوب المنصور (١) ابن السلطان يوسف ابن السلطان عبد المؤمن بن علي لأحد رؤساء أجنادها: ما تقول في قرطبة؟ فخاطبه على ما يقتضيه كلام عامّة الأندلس بقوله: جوفها شمام، وغريبها قمام، وقبلتها مدام، والجنّة هي والسلام.
يعني بالشّمام جبال الورد، ويعني بالقمام ما يؤكل إشارةً إلى محرث الكنبانيّة (٢) ، ويعني بالمدام النهر.
ولما قال والده السلطان يوسف بن عبد المؤمن لأبي عمران موسى بن سعيد العنسي (٣) : ما عندك في قرطبة؟ قال له: ما كان لي أن أتكلّم حتى أسمع مذهب أمير المؤمنين فيها، فقال السلطان: إن ملوك بين أمية حين اتخذوها حضرة مملكتهم لعلى بصيرةٍ، الديار المنفسحة الكثيرة (٤) ، والشوارع المتسعة، والمباني الضخمة المشيدة، والنهر الجاري، والهواء المعتدل، والخارج الناضر، والمحرث العظيم، والشّعراء الكافية، والتوسط بين شرق الأندلس وغربها، قال: فقلت: ما أبقى لي أمير المؤمنين ما أقول.
قال ابن سعيد: ولأهلها رياسة ووقار، لا تزال سمة العلم والملك متوارثةً فيهم. إلا أن عامّتها أكثر الناس فضولاً، وأشدّهم تشغيباً، ويُضرب
(١) السلطان يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن (٥٨٠ - ٥٩٥) من أعاظم خلفاء الموحدين، كان جواداً شجاعاً كريماً عالماً. (انظر له ترجمة في وفيات الأعيان ٦: ٤ وروض القرطاس: ١٦٠ (ط. فاس) وأخباره في المعجب والبيان المغرب وغيرهما من المصادر التاريخية) . (٢) الكنبانية: قال فيها ياقوت: ناحية بالأندلس قرب قرطبة، وهذا تعريف قاصر، فإن الكنبانية هي الأراضي السهلة الزراعية أينما كانت، وقد ذكر ابن الخطيب الكنبانية في الحديث عن غرناطة (١: ١٠٢) وأصلها من الكلمة اللاتينية (Campania) أي الحقل أو المحرث كما يسميها الأندلسيون، وتكتب أحياناً بالقاف. (انظر ملحق دوزي: قنبانية) . (٣) السلطان يوسف بن عبد المؤمن (٥٥٨ - ٥٨٠) ثاني خلفاء الموحدين؛ أما موسى بن سعيد فهو والد علي صاحب المغرب، كان شغوفاً بالتاريخ وولي للموحدين بعض الأعمال وتوفي بالإسكندرية (٥٧٣) . راجع ٢: ١٧٠. (٤) ك: الكبيرة.