السلطان ببناء قلعة الجزيرة التي أمام الفسطاط وصيرها سرير السلطنة عظمت عمارة الفسطاط، وانتقل إليها كثير من الأمراء، وضخمت أسواقها، وبنى فيها السلطان أمام الجسر الذي للجزيرة قيسارية عظيمة، فنقل إليها من القاهرة سوق الأجناد التي يباع فيها الفراء والجوخ وما أشبه ذلك.
إلى أن قال: وهي الآن عظيمة آهلة، يجبى إليها من الشرق والغرب والجنوب والشمال ما لا يحيط بجملته وتفسيره إلاّ خالق الكل جلّ وعلا، وهي مستحسنة للفقير الذي لا يخاف طلب زكاة ولا ترسيماً ولا عذاباً، ولا يطالب برفيق له إذا مات، فيقال له: ترك عندك مالاً، فربما سجن في شأنه أو ضرب أو عصر، والفقير المجرد فيها يستريح بجهة رخص الخبز وكثرته، ووجود السماع والفرج في ظواهرها ودواخلها، وقلّة الاعتراض عليه فيما تذهب إليه نفسه، يحكم فيها كيف شاء من رقص في وسط السوق أو تجريد أو سكر من حشيشة أو صحبة مردان وما أشبه ذلك، بخلاف غيرها من بلاد المغرب، وسائر الفقراء لا يتعرضون إليهم بالقبض للأسطول إلاّ المغاربة، فذلك وقفٌ عليهم لمعرفتهم بمعاناة البحر، وقد عمّ ذلك من يعرف معاناة البحر منهم ومن لا يعرف، وهم في القدوم عليها بين حالين: إن كان المغربي غنيّاً طولب بالزكاة وضيقت عليه السعاة، وإن كان مجرداً فقيراً حمل إلى السجن حتى يحين وقت الأسطول.
وفي القاهرة أزاهر كثيرة غير منقطعة الاتصال، وهذا الشأن في الديار المصرية يفضل كثيراً من البلاد، وفي اجتماع النرجس والورد فيها أقول:
من فضّل النرجس وهو الذي ... يرضى بحكم الورد إذ يرأس
أما ترى الورد غدا قاعداً ... وقام في خدمته النرجس وأكثر ما فيها من الثمرات والفواكه الرمان والموز، أمّا التفاح والإجاص فقليل غال، وكذلك الخوخ، وفيها الورد والنرجس والنسرين والنيلوفر والبنفسج والياسمين والليمون الأخضر والأصفر، وأمّا العنب والتين فقليل غال، ولكثرة