ويرى جمهورالفقهاء١ "وهم من ذكرناهم آنفا في جناية الصبي غير المميز" أن جنايته كالخطأ، ولا يقصد بقولهم:"حكمها حكم الخطأ" أنها خطأ، كما فهم بعض الكتاب المحدثين، بدليل أنهم لم يوجبوا على هؤلاء كفارة، مع أن نص القرآن يوجبها في الخطأ، وإنما هم يعطونها حكم الخطأ في إيجاب الدية على العاقلة فقط، والوجه في اعتبارها كالخطأ. إن الجناية من حيث وقوعها على المجني عليه لم تكن مقصودة ولا مرادة، ففي الخطأ لم يكن هناك قصد ولا إرادة وقوع الجناية على هذا الإنسان المعصوم مع صلاحية الجاني لأن يريد ذلك، وهنا جناية الصبي والمجنون لم يصاحبها قصد ولا إرادة وقوع الجناية على هذا الإنسان، لا لأنه لم يوجه الفعل الضار إليه؛ بل لأن إرادته وقصده غير صحيح شرعا، فهو كلا إرادة ... ، وفي الخطأ نوع من عدم التحرز وعدم الحيطة الكافية، وفي جناية هذين لا يتأتى هذا، ومن ثم فليست جنايتهما خطأ تماما، وإنما حكمها حكم الخطأ في إيجاب الدية على العاقلة٢.
وإيجاب الدية هنا على العاقلة استند فيه إلى آثار عن بعض الصحابة منها
١ ولا يراد ما قاله الشافعية هنا من قولهم: إنه إذا كان له نوع تمييز فعمده عمد وخطؤه خطأ؛ لأن المجنون اصطلاحا فاقد هذا التمييز، فربما قصد به المعتوه. ٢ راجع ما كتبه المرحوم عبد القادر عوده في كتابه "الجنايات" ج١، ص٥٩٤.