من تكلم عن ذلك الإمام الغزالي، وسأذكر كلامه في ذلك ثم أعقب عليه بثلاثة أسباب أخرى.
قال رحمه الله: " اعلم أن قيام الليل عسير على الخلق إلا على من وفق للقيام بشروطه الميسرة له ظاهراً وباطناً.
فأما الظاهرة فأربعة أمور:
الأول: أن لا يكثر الأكل فيكثر الشرب فيغلبه النوم ويثقل عليه القيام، كان بعض الشيوخ يقف على المائدة كل ليلة ويقول: معاشر المريدين، لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فترقدوا كثيرا، فتتحسروا عند الموت كثيرا.
الثاني: أن لا يتعب نفسه بالنهار في الأعمال التي تعيا بها الجوارح وتضعف بها الأعصاب؛ فإن ذلك أيضاً مجلبة للنوم.
الثالث: أن لا يترك القيلولة بالنهار؛ فإنها سنة للاستعانة على قيام الليل.
الرابع: أن لا يحتقب الأوزار (١) بالنهار (٢)؛ فإن ذلك مما يقسي القلب، ويحول بينه وبين أسباب الرحمة، قال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأعد طهوري فما أبالي أن لا أقوم، فقال: ذنوبك قيدتك. وكان الحسن رحمه الله إذا دخل السوق فسمع لغطهم ولغوهم يقول: أظن أن ليل هؤلاء ليل سوء؛ فإنهم لا يقيلون. وقال الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته، قيل: وما ذاك الذنب؟ قال: رأيت رجلاً يبكي فقلت في نفسي: هذا مراء … وهذا لأن الخير يدعو إلى الخير والشر يدعو إلى الشر .. فالذنوب كلها تورث قساوة القلب وتمنع من قيام الليل، وأخصها بالتأثير تناول
(١) احتقب الإثم: ارتكبه. المعجم الوسيط (١/ ١٨٧). (٢) قيل لابن مسعود رضي الله عنه: ما نستطيع قيام الليل؟ قال: أقعدتكم ذنوبكم. وقال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم كبَّلتك خطيئتك. لطائف المعارف، لابن رجب (ص: ٤٣).