وتخلّص إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ بَيْنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْفَلْسَفِيَّةِ اتِّصَالًا. وَإِلَى مِثْلِ ذَلِكَ ذَهَبَ قُطْبُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ فِي «شَرْحِ حِكْمَةِ الْإِشْرَاقِ» ، وَهَذَا الْغَزَالِيُّ وَالْإِمَامُ الرَّازِيُّ وَأَبُو بَكْرِ ابْن الْعَرَبِيِّ وَأَمْثَالُهُمْ صَنِيعُهُمْ يَقْتَضِي التَّبَسُّطَ وَتَوْفِيقَ الْمَسَائِلِ العلمية، فقد ملأوا كُتُبَهُمْ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمَعَانِي الْقُرْآنِيَّةِ بِقَوَاعِدِ الْعُلُومِ الْحِكَمِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِ «أَحْكَامِ الْقُرْآنِ» ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِيمَا أَمْلَاهُ عَلَى سُورَةِ نُوحٍ وَقِصَّةِ الْخَضِرِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ جَنِّي وَالزَّجَّاجُ وَأَبُو حَيَّانَ قَدْ أَشْبَعُوا «تَفَاسِيرَهُمْ» مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْكَلَامَ الصَّادِرَ عَنْ عَلَّامِ الْغُيُوبِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ لَا تُبْنَى مَعَانِيهِ عَلَى فَهْمِ طَائِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَكِنَّ مَعَانِيَهُ تُطَابِقُ الْحَقَائِقَ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْحَقِيقَةِ فِي عِلْمٍ مِنَ
الْعُلُومِ وَكَانَتِ الْآيَةُ لَهَا اعْتِلَاقٌ بِذَلِكَ فَالْحَقِيقَةُ الْعِلْمِيَّةُ مُرَادَةٌ بِمِقْدَارِ مَا بَلَغَتْ إِلَيْهِ أَفْهَامُ الْبَشَرِ وَبِمِقْدَارِ مَا سَتَبْلُغُ إِلَيْهِ. وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَقَامَاتِ وَيُبْنَى عَلَى تَوَفُّرِ الْفَهْمِ، وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَمَّا يَصْلُحُ لَهُ اللَّفْظُ عَرَبِيَّةً، وَلَا يَبْعُدُ عَنِ الظَّاهِرِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَا يَكُونُ تَكَلُّفًا بَيِّنًا وَلَا خُرُوجًا عَنِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ حَتَّى لَا يَكُونَ فِي ذَلِكَ كَتَفَاسِيرِ الْبَاطِنِيَّةِ.
وَأَمَّا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ فَقَالَ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ: «لَا يَصِحُّ فِي مَسْلَكِ الْفَهْمِ وَالْإِفْهَامِ إِلَّا مَا يَكُونُ عَامًّا لجَمِيع الْعَرَب، فَلَا يتكلّف فِيهِ فَوْقَ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ» وَقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي: «مَا تَقَرَّرَ مِنْ أُمِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ وَأَنَّهَا جَارِيَةٌ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِهَا وَهُمُ الْعَرَبُ تَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوَاعِدُ، مِنْهَا: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ تَجَاوَزُوا فِي الدَّعْوَى عَلَى الْقُرْآنِ الْحَدَّ فَأَضَافُوا إِلَيْهِ كُلَّ عِلْمٍ يُذْكَرُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ أَوِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلُومِ الطَّبِيعِيَّاتِ وَالتَّعَالِيمِ وَالْمَنْطِقِ وَعِلْمِ الْحُرُوفِ وَأَشْبَاهِهَا وَهَذَا إِذَا عَرَضْنَاهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَمْ يَصِحَّ فَإِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ كَانُوا أَعْلَمَ بِالْقُرْآنِ وَبِعُلُومِهِ وَمَا أُودِعَ فِيهِ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا سِوَى مَا ثَبَتَ فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ التَّكَالِيفِ وَأَحْكَامِ الْآخِرَةِ. نَعَمْ تَضَمَّنَ عُلُومًا مِنْ جِنْسِ عُلُومِ الْعَرَبِ وَمَا هُوَ عَلَى مَعْهُودِهَا مِمَّا يَتَعَجَّبُ مِنْهُ أُولُو الْأَلْبَابِ وَلَا تَبْلُغُهُ إِدْرَاكَاتُ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ إِلَخْ» .
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا أَسَّسَهُ مِنْ كَوْنِ الْقُرْآنِ لَمَّا كَانَ خِطَابًا لِلْأُمِّيِّينَ وَهُمُ الْعَرَبُ فَإِنَّمَا يَعْتَمِدُ فِي مَسْلَكِ فَهْمِهِ وَإِفْهَامِهِ عَلَى مَقْدِرَتِهِمْ وَطَاقَتِهِمْ، وَأَنَّ الشَّرِيعَةَ أُمِّيَّةٌ. وَهُوَ أَسَاسٌ وَاهٍ لِوُجُوهٍ سِتَّةٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ مَا بَنَاهُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يُقْصَدْ مِنْهُ انْتِقَالُ الْعَرَبِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَهَذَا بَاطِلٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، قَالَ تَعَالَى: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا [هود: ٤٩] . الثَّانِي أَنَّ مَقَاصِدَ الْقُرْآنِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.