وَقَالَ: الثَّوْرِيُّ بِالْوُجُوبِ فِي قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا. وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ تَجِبُ الِاسْتِعَاذَةُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ، وَقَالَ قَوْمٌ: الْوُجُوبُ خَاصٌّ بِالنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّدَبُ لِبَقِيَّةِ أُمَّتِهِ.
وَمَدَارِكُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ تَرْجِعُ إِلَى تَأْوِيلِ الْفِعْلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَرَأْتَ، وَتَأْوِيلُ
الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاسْتَعِذْ، وَتَأْوِيلُ الْقُرْآنِ مَعَ مَا حَفَّ بِذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ فِعْلًا وَتَرْكًا.
وَعَلَى الْأَقْوَالِ كُلِّهَا فَالِاسْتِعَاذَةُ مَشْرُوعَةٌ لِلشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ لِإِرَادَتِهِ، وَلَيْسَتْ مَشْرُوعَةً عِنْدَ كُلِّ تَلَفُّظٍ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ كَالنُّطْقِ بِآيَةٍ أَوْ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ فِي التَّعْلِيمِ أَوِ الْمَوْعِظَةِ أَوْ شِبْهِهِمَا، خِلَافًا لِمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمُتَحَذِّقِينَ إِذَا سَاقَ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَقَامِ الْقِرَاءَةِ أَنْ يَقُولَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَيَسُوقُ آيَةً.
وَجُمْلَةُ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ الْآيَةَ تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ عِنْدَ إِرَادَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَبَيَانٌ لِصِفَةِ الِاسْتِعَاذَةِ.
فَأَمَّا كَوْنُهَا تَعْلِيلًا فَلِزِيَادَةِ الْحَثِّ عَلَى الِامْتِثَالِ لِلْأَمْرِ بِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ تَمْنَعُ تَسَلُّطَ الشَّيْطَانِ عَلَى الْمُسْتَعِيذِ لِأَنَّ اللَّهَ مَنَعَهُ مِنَ التَّسَلُّطِ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا الْمُتَوَكِّلِينَ، وَالِاسْتِعَاذَةُ مِنْهُ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّ اللَّجَأَ إِلَيْهِ تَوَكُّلٌ عَلَيْهِ. وَفِي الْإِعْلَامِ بِالْعِلَّةِ تَنْشِيطٌ لِلْمَأْمُورِ بِالْفِعْلِ عَلَى الِامْتِثَالِ إِذْ يَصِيرُ عَالِمًا بِالْحِكْمَةِ وَأَمَّا كَوْنُهَا بَيَانًا فَلِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ ذِكْرِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ إِعْرَابٌ عَنِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لدفع سُلْطَان الشَّيْطَانِ لِيَعْقِدَ الْمُسْتَعِيذُ نِيَّتَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَلَيْسَتِ الِاسْتِعَاذَةُ مُجَرَّدَ قَوْلٍ بِدُونِ اسْتِحْضَارِ نِيَّةِ الْعَوْذِ بِاللَّهِ.
فَجُمْلَةُ وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِلْمَوْصُولِ. وَقَدَّمَ الْمَجْرُورَ عَلَى الْفِعْلِ لِلْقَصْرِ، أَيْ لَا يَتَوَكَّلُونَ إِلَّا عَلَى رَبِّهِمْ. وَجَعَلَ فعلهَا مضارعا لإفاة تَجَدُّدِ التَّوَكُّلِ وَاسْتِمْرَارِهِ. فَنَفْيُ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ مَشْرُوطٌ بِالْأَمْرَيْنِ: الْإِيمَانُ، وَالتَّوَكُّلُ. وَمِنْ هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [سُورَة الْحجر: ٤٢] .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.