لِلَّهِ تَعَالَى لَا جرم أَنه منشىء ثَنَاء عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَكَوْنُ الْمَعْنَى الِالْتِزَامِيِّ فِي الْكِنَايَةِ هُوَ الْمَقْصُودُ دُونَ الْمَعْنَى الْمُطَابَقِيِّ أَظْهَرَ مِنْهُ فِي اعْتِبَارِ الْخَبَرِيَّةِ الْمَحْضَةِ لِمَا عُهِدَ فِي الْكِنَايَةِ مِنْ أَنَّهَا لَفْظٌ أُرِيدَ بِهِ لَازِمُ مَعْنَاهُ مَعَ جَوَازِ إِرَادَةِ الْأَصْلِ مَعَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى الْأَصْلِيَّ إِمَّا غَيْرُ مُرَادٍ أَوْ مُرَادٌ تَبَعًا لِأَنَّ مَعَ تَدْخُلُ عَلَى الْمَتْبُوعِ.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي أَنَّ جُمْلَةَ الْحَمْدُ لِلَّهِ إِنْشَاءٌ مَحْضٌ لَا إِشْعَارَ لَهُ بِالْخَبَرِيَّةِ، عَلَى أَنَّهَا مِنَ الصِّيَغِ الَّتِي نَقَلَتْهَا الْعَرَبُ مِنَ الْإِخْبَارِ إِلَى إِنْشَاءِ الثَّنَاءِ كَمَا نَقَلَتْ صِيَغَ الْعُقُودِ وَأَفْعَالَ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ أَيْ نَقْلًا مَعَ عَدَمِ إِمَاتَةِ الْمَعْنَى الْخَبَرِيِّ فِي الِاسْتِعْمَالِ، فَإِنَّكَ قَدْ تَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ جَوَابًا لِمَنْ قَالَ لِمَنِ الْحَمْدُ أَوْ مَنْ أَحْمَدُ وَلَكِنَّ تَعَهُّدَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ ضَعِيفٌ فَيَحْتَاجُ إِلَى الْقَرِينَةِ. وَالْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ أَنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِنْشَاءِ فَالْقَصْدُ هُوَ
الْإِنْشَائِيَّةُ لَا مَحَالَةَ، وَعُدِّلَ إِلَى الْخَبَرِيَّةِ لِتَحْمِلَ جُمْلَةُ الْحَمْدِ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ مَا يُنَاسِبُ جَلَالَةَ الْمَحْمُودِ بِهَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ وَالِاسْتِغْرَاقِ وَالِاخْتِصَاصِ وَالِاهْتِمَامِ، وَشَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ بِصِيغَةِ إِنْشَاءٍ نَحْوَ حَمْدًا لِلَّهِ أَو أَحْمد لله حَمْدًا وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَرَبِ إِيَّاهَا إِنْشَاءً لَا خَبَرًا قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
وَلَمَّا جَرَتْ فِي الْجَزْلِ جَرْيًا كَأَنَّهُ ... سَنَا الْفَجْرِ أَحْدَثْنَا لِخَالِقِهَا شُكْرَا (١)
فَعَبَّرَ عَنْ ذِكْرِ لَفْظِ الْحَمْدِ أَوِ الشُّكْرِ بِالْإِحْدَاثِ، وَالْإِحْدَاثُ يُرَادِفُ الْإِنْشَاءَ لُغَةً فَقَوْلُهُ أَحْدَثْنَا خَبَرٌ حَكَى بِهِ مَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالْإِحْدَاثِ وَهُوَ حَمْدُهُ الْوَاقِعُ حِينَ الْتِهَابِهَا فِي الْحَطَبِ.
وَاللَّهُ هُوَ اسْمُ الذَّاتِ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الْمُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ. وَأَصْلُ هَذَا الِاسْمِ الْإِلَهُ بِالتَّعْرِيفِ وَهُوَ تَعْرِيف إلاه الَّذِي هُوَ اسْمُ جِنْسٍ لِلْمَعْبُودِ مُشْتَقٌّ مِنْ أَلَهَ بِفَتْحِ اللَّامِ بِمَعْنَى عَبَدَ، أَوْ مِنْ أَلِهَ بِكَسْرِ اللَّامِ بِمَعْنَى تَحَيَّرَ أَوْ سَكَنَ أَوْ فَزِعَ أَوْ وُلِعَ مِمَّا يَرْجِعُ إِلَى مَعْنًى هُوَ مَلْزُومٌ لِلْخُضُوعِ وَالتَّعْظِيمِ فَهُوَ فِعَالٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِثْلَ كِتَابٍ، أَطْلَقَهُ الْعَرَبُ عَلَى كُلِّ مَعْبُودٍ مِنْ أَصْنَامِهِمْ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَهَا حَقِيقَةً بِالْعِبَادَةِ وَلِذَلِكَ جَمَعُوهُ عَلَى آلِهَةٍ بِوَزْنِ أَفْعِلَةٍ مَعَ تَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ مَدَّةً، وَأَحْسَبُ أَنَّ اسْمَهُ تَعَالَى تَقَرَّرَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ قَبْلَ دُخُولُُِ
(١) هُوَ من قصيدة لَهُ ذكر فِيهَا صِفَات النَّار بطريقة لغزية. وَقَبله:فَلَمَّا بَدَت كفنتها وَهِي طفلة ... بطلساء لم تكمل ذِرَاعا وَلَا شبْرًاوَقلت لَهُ ارفعها إِلَيْك فأحيها ... بروحك واقتته لَهَا قيتة قدراوَظَاهر لَهَا من يَابِس الشخت واستعن ... عَلَيْهَا الصَّفَا وَاجعَل يَديك لَهَا سترا
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute