ثالثاً: وأمّا الوعيد الحسن لأهل الكتاب إنْ هم أقاموا التوراة والإنجيل، فالمقصود به قوله تعالى:{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ}(٢).
وفي هذه الآية ترتيب النّعيم على إقامة التوراة والإنجيل، «ومن إقامتهما الإيمان بما دَعيا
إليه، من الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن، فلو قاموا بهذه النعمة العظيمة التي أنزلها ربهم إليهم، أي: لأجلهم وللاعتناء بهم {لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} أي: لأدرَّ اللهُ عليهم الرزق، ولأمطرَ عليهم السماء، وأنبتَ لهم الأرض» (٣).
رابعاً: وأمّا أمرُ الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالرجوع لأهل الكتاب عند الشك فالمقصود به قوله تعالى:{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ}(٤).
وفي تمام الآية ما يجلي الأمر ويرفع الاشتباه. فنص الآية بالتمام هو الآتي:{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}. والمقصود من التنبيه لسؤال أهل الكتاب تثبيت المؤمنين بأنّ أهل الكتاب عندهم البشارة بمحمد - صلى الله عليه وسلم - في كتبهم.
نقل ابن كثير عن بعض أئمة التّفسير قولَهم: بَلَغَنَا أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:(لا أشكّ ولا أسأل)، ثمّ قال: «وهذا فيه تثبيتٌ للأمّة، وإعلامٌ لهم أنّ صفة نبيّهم - صلى الله عليه وسلم - موجودة في الكتب
(١) انظر: تفسير ابن كثير ٣/ ١٢٦ - ١٢٧. والشّاهدين -على الترتيب- آية ٦٨ من المائدة، وآية ١٥٧ من الأعراف. (٢) سورة المائدة، الآية ٦٦. (٣) انظر: تفسير ابن سعدي، ص٢٣٨ - ٢٣٩. (٤) سورة يونس، من الآية ٩٤.