خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً (وَاخْتَلَفُوا فِي السَّفِيهِ فَعِنْدَهُمَا يُحْجَرُ) : الْحَجْرُ هُوَ مَنْعُ نَفَاذِ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ (لِأَنَّ النَّظَرَ وَاجِبٌ حَقًّا لَهُ لِدِينِهِ فَإِنَّ الْعَفْوَ عَنْ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ حَسَنٌ، وَإِنْ أَصَرَّ عَلَيْهَا) كَالْقَتْلِ عَمْدًا فَإِنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْقِصَاصِ فِيهِ حَسَنٌ فَغَايَةُ فِعْلِ السَّفِيهِ ارْتِكَابُ الْكَبِيرَةِ وَمُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ إذَا كَانَ مُؤْمِنًا يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ إلَيْهِ (وَقِيَاسًا) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ حَقًّا لَهُ (عَلَى مَنْعِ الْمَالِ وَأَيْضًا صِحَّةُ الْعِبَارَةِ لِأَجْلِ النَّفْعِ فَإِذَا صَارَتْ ضَرَرًا يَجِبُ دَفْعُهَا، وَأَيْضًا حَقًّا لِلْمُسْلِمِينَ) فَإِنَّ السُّفَهَاءَ إذَا لَمْ يُحْجَرُوا أَسْرَفُوا فَتُرَكَّبُ عَلَيْهِمْ الدُّيُونُ فَتَضِيعُ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي ذِمَّتِهِمْ: مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً بِأَلْفِ دِينَارٍ وَلَا فَلْسَ لَهُ فَيُعْتِقُهَا فِي الْحَالِ كَمَا فَعَلَهُ وَاحِدٌ مِنْ ظُرَفَاءِ طَلَبَةِ الْعِلْمِ فِي بُخَارَى، وَقِصَّتُهُ أَنَّهُ دَخَلَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي سُوقِ النَّخَّاسِينَ فَعَشِقَ جَارِيَةً بَلَغَتْ فِي الْحُسْنِ غَايَتَهُ، فَعَجَزَ عَنْ مُكَابَدَةِ شَدَائِدِ هَجْرِهَا، وَكَانَ فِي الْفَقْرِ وَالْمَتْرَبَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَمْلِكْ قُوتَ يَوْمِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَمْلِكَ مَالًا يَجْعَلُهُ ذَرِيعَةً إلَى مُوَاصَلَتِهَا فَاسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِ
ــ
[التلويح]
الْكُلْفَةُ، وَالْمُؤْنَةُ الثَّالِثُ أَنَّهُ إنَّمَا صَحَّحَ عِبَارَاتِ الْعَاقِلِ، وَجَوَّزَ تَصَرُّفَاتِهِ لِيَكُونَ نَفْعًا لَهُ بِتَحْصِيلِ الْمَطَالِبِ فَإِذَا صَارَ ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَيْهِ كَانَ نَفْعُهُ فِي الْحَجْرِ، فَيَجِبُ. الرَّابِعُ أَنَّ فِي الْحَجْرِ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ السَّفِيهَ بِإِتْلَافِهِ، وَإِسْرَافِهِ يَصِيرُ مَطِيَّةً لِدُيُونِ النَّاسِ، وَمَظِنَّةً لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَيَصِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَبَالًا، وَعَلَى بَيْتِ مَالِهِمْ عِيَالًا كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ حَذَاقَةً، وَاحْتِيَالًا فِي الْوُصُولِ إلَى الْمَقْصُودِ لَكِنَّهُ سَفَهٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ فَلْسًا قَدْ أَعْتَقَ جَارِيَةً بِأَلْفِ دِينَارٍ.
(قَوْلُهُ: دَخَلَ فِي سُوقِ النَّخَّاسِينَ) لَفْظَةُ فِي زَائِدَةٌ، وَالْمُكَابَدَةُ الْمُقَاسَاةُ، وَالتَّلْبِيسُ التَّخْلِيطُ، وَإِخْفَاءُ الْأَمْرِ عَلَى الْغَيْرِ، وَالتَّطْرِيقُ أَنْ يَمْشِيَ أَمَامَ الرَّجُلِ، وَيُقَالُ: طَرَقُوا، وَذَلِكَ عَادَةُ الْكِبَارِ، وَالنُّمْرُقَةُ وِسَادَةٌ صَغِيرَةٌ، وَالْعُثْنُونُ شُعَيْرَاتٌ طِوَالٌ تَحْتَ حَنَكِ الْبَعِيرِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ اللِّحْيَةِ، وَفِي قَوْلِهِ عَرَفَ فُنُونَهُ إيهَامٌ أَيْ: فُنُونَ الْحِيَلِ، وَالتَّزْوِيرِ أَوْ الْعُلُومِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْفِقْهُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ هَذَا الْحُكْمُ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ: يَنْتِفُ عُثْنُونَهُ يَحْتَمِلُ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلَى الْبَائِعِ، وَالْمُشْتَرِي، وَلَمَّا كَانَ هَاهُنَا مَظِنَّةُ الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِحَجْرِ الْإِنْسَانِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ بِنَاءً عَلَى ضَرَرِ غَيْرِهِ أَجَابَ بِأَنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَمَا فِي اسْتِحْدَاثِ الطَّاحُونِ لِلْأُجْرَةِ، وَنَصْبِ الْمِنْوَالِ لِاسْتِخْرَاجِ الْإِبْرَيْسَمِ مِنْ الْفَلِيقِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ لِلْجِيرَانِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ فَلَهُمْ الْمَنْعُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْحَجْرِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْعَامَّةِ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ كَحَجْرِ الْمُفْتِي الْمَاجِنِ، وَالطَّبِيبِ الْجَاهِلِ، وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ حَجْرُ السَّفِيهِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مُخَاطَبٌ إذْ الْخِطَابُ بِالْأَهْلِيَّةِ، وَهِيَ بِالتَّمْيِيزِ، وَالسَّفَهُ لَا يُوجِبُ نُقْصَانًا فِيهِ بَلْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.