وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِعَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ قِيَاسًا عَلَى الثِّيَابِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَصْرُوفٌ لِحَاجَتِهِ فَمَعْنَى الْقِيَاسِ أَنَّ النَّصَّ الْوَارِدَ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَارِدٌ فِي الْمَقِيسِ مَعْنًى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِدًا صَرِيحًا، فَلَوْ كَانَ النَّصَّانِ وَارِدَيْنِ فِيهِ صَرِيحًا كَانَ الْحَقُّ وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ فِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا مَنْسُوخًا وَالْآخَرُ نَاسِخًا، فَإِذَا كَانَ النَّصَّانِ وَهُمَا النَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْمَضْرُوبِ وَالنَّصُّ الْوَارِدُ فِي الثِّيَابِ وَارِدَيْنِ فِي الْحُلِيِّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَا يَدُلَّانِ عَلَى حَقِيقَةِ مَدْلُولَيْ كُلٍّ مِنْهُمَا إذْ دَلَالَتُهُمَا مَعْنًى لَا تَزِيدُ عَلَى دَلَالَتِهِمَا صَرِيحًا، وَلَوْ وُجِدَتْ دَلَالَتُهُمَا صَرِيحًا لَا يَكُونُ مَدْلُولُ كُلٍّ مِنْهُمَا حَقًّا فَكَذَا إذَا وُجِدَتْ دَلَالَتُهُمَا مَعْنًى بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، (وَلِأَنَّ
ــ
[التلويح]
لِصَاحِبِ الْغَنَمِ وَسُلَيْمَانَ حَكَمَ بِأَنْ تَكُونَ الْغَنَمُ لِصَاحِبِ الْحَرْثِ يَنْتَفِعُ بِهَا وَيَقُومُ أَصْحَابُ الْغَنَمِ عَلَى الْحَرْثِ حَتَّى يَرْجِعَ كَمَا كَانَ فَيَرُدُّ كُلٌّ إلَى صَاحِبِهِ مِلْكَهُ وَكَانَ حُكْمُ دَاوُد - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالِاجْتِهَادِ دُونَ الْوَحْيِ وَإِلَّا لَمَا جَازَ لِسُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خِلَافُهُ، وَلَا لِدَاوُدَ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الِاجْتِهَادَيْنِ حَقًّا لَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ أَصَابَ الْحُكْمَ وَفَهِمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالذِّكْرِ جِهَةٌ، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ لَكِنَّهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِخَوَاصِّ التَّرَاكِيبِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ اجْتِهَادِ الْأَنْبِيَاءِ وَجَوَازِ خَطَئِهِمْ فِيهِ عَلَى مَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَعْنَى فَفَهَّمْنَا سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْفَتْوَى، أَوْ الْحُكُومَةَ الَّتِي هِيَ أَحَقُّ وَأَفْضَلُ وَيَكُونُ اعْتِرَاضُ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْأَوْلَى مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِمَنْزِلَةِ الْخَطَأِ مِنْ غَيْرِهِمْ يُشْعِرُ بِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: ٧٩] ، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ إصَابَتُهُمْ فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ وَالْعِلْمُ بِأُمُورِ الدِّينِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا نُقِلَ أَنَّهُ قَالَ سُلَيْمَانُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - غَيْرُ هَذَا أَوْفَقُ الْفَرِيقَيْنِ كَأَنَّهُ قَالَ هَذَا حَقٌّ لَكِنَّ غَيْرَهُ أَحَقُّ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ وَالْأَثَرُ فَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ الدَّالَّةُ عَلَى تَرْدِيدِ الِاجْتِهَادِ بَيْنَ الصَّوَابِ وَالْخَطَأِ وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ قَبِيلِ الْآحَادِ إلَّا أَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ مِنْ جِهَةَ الْمَعْنَى وَإِلَّا لَمْ تَصْلُحْ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْأُصُولِ.
وَأَمَّا دَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ، فَهُوَ أَنَّ الْقِيَاسَ مُظْهِرٌ لَا مُثْبِتٌ فَالثَّابِتُ بِالْقِيَاسِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ مَعْنًى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا بِهِ صَرِيحًا، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فِيمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَاحِدٌ لَا غَيْرُ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَ الْخَصْمِ مُثْبِتٌ لَا مُظْهِرٌ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ الِاجْتِهَادِيَّ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ، أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ كَمَفْهُومِ الشَّرْطِ وَالصِّفَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالْخِلَافُ فِي اتِّحَادِ الْحَقِّ، أَوْ تَعَدُّدِهِ جَارٍ فِي الْجَمِيعِ، فَلَا إجْمَاعَ عَلَى اتِّحَادِ الْحَقِّ إلَّا فِيمَا لَمْ يَقَعْ فِيهِ خِلَافٌ.
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَلِأَنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ مَحْظُورًا وَمُبَاحًا، أَوْ صَحِيحًا وَفَاسِدًا، أَوْ وَاجِبًا وَغَيْرَ وَاجِبٍ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.