أَنَّ حَرْفَ التَّعْرِيفِ إذَا دَخَلَ عَلَى الْجَمِيعِ تَبْطُلُ الْجَمْعِيَّةُ وَيُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ.
وَأَيْضًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَوْ أُرِيدَ الْجَمْعُ لَكَانَ الْمُرَادُ جَمْعًا مُسْتَغْرِقًا فَمَعْنَاهُ أَنَّ جَمِيعَ الصَّدَقَاتِ لِجَمِيعِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَهَذَا غَيْرُ مُرَادٍ إجْمَاعًا إذْ لَيْسَ فِي وُسْعِ أَحَدٍ أَنْ يُوَزِّعَ جَمِيعَ الصَّدَقَاتِ عَلَى جَمِيعِ الْفُقَرَاءِ بِحَيْثُ لَا يُحْرَمُ وَاحِدٌ عَلَى أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ هَذَا يَبْطُلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْجَمْعُ مُرَادًا كَانَ الْمُرَادُ الْجِنْسَ فَيُرَادُ أَنَّ جِنْسَ الصَّدَقَةِ لِجِنْسِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَادَ الْإِفْرَادُ فَتَكُونُ اللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ لَا لِلتَّمْلِيكِ الَّذِي يُوجِبُ التَّوْزِيعَ عَلَى الْأَفْرَادِ فَيَكُونُ لِعَدِّ الْمَصَارِفِ.
(وَالتَّكْبِيرَ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَدَاءُ الْقِيمَةِ، وَذِكْرُ لَفْظٍ آخَرَ يَكُونَانِ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ) اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ فَرَّقُوا بَيْنَ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ فَإِنَّهُ جَاءَ عَنْ الْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إزَارِي» فَالْكِبْرِيَاءُ صِفَةٌ هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ الرِّدَاءِ لِلْإِنْسَانِ، وَالْعَظَمَةُ بِمَنْزِلَةِ الْإِزَارِ فَالْأَوَّلُ أَدَلُّ عَلَى الظُّهُورِ، وَالثَّانِي عَلَى الْبُطُونِ فَلَا يَكُونُ اللَّهُ أَعْظَمَ وَأَجَلَّ بِمَعْنَى أَكْبَرَ لَكِنَّا نَقُولُ قَوْله تَعَالَى {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: ٣] لَا يُرَادُ بِهِ قُلْ اللَّهُ أَكْبَرُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ وَرَبَّكَ قُلْ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا يُفِيدُ مَعْنًى فَمَعْنَاهُ وَرَبَّكَ فَعَظِّمْ أَيْ: قُلْ أَوْ افْعَلْ مَا فِيهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ، وَالْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرُوا بَيْنَ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْعَبْدِ إثْبَاتُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بَلْ فِي وَسْعِهِ
ــ
[التلويح]
الْإِشْعَارِ بِأَنَّ الِاسْتِبْدَالَ إنَّمَا يَجُوزُ بِمَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي دَفْعِ الْحَاجَةِ حَتَّى لَوْ أَسْكَنَ الْفَقِيرَ دَارِهِ مُدَّةً بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ لَمْ يُجْزِهِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ لِلَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً وَلِلْفَقِيرِ بَقَاءً فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِهَا حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى أَوَّلًا وَمِنْ صُلُوحِهَا لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ ثَانِيًا فَفِي الشَّاةِ مَثَلًا ثَبَتَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ بِالنَّصِّ، وَفِي الْقِيمَةِ ثَبَتَ الْأَوَّلُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَالثَّانِي بِالتَّعْلِيلِ وَالْقِيَاسِ عَلَى الشَّاةِ، وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى ثُبُوتِ جَوَازِ الِاسْتِبْدَالِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي جِنْسِ الْوَاجِبِ مَا يَصْلُحُ لِإِيفَاءِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ وَهُوَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ الْمَخْلُوقَةُ ثَمَنًا لِلْأَشْيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَوَسِيلَةً إلَى الْأَرْزَاقِ.
(قَوْلُهُ وَذَكَرَ الْأَصْنَافَ) وَجْهُ السُّؤَالِ إنَّكُمْ جَوَّزْتُمْ صَرْفَ الزَّكَاةِ إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ قِيَاسًا عَلَى صَرْفِهَا إلَى الْكُلِّ بِعِلَّةِ الْحَاجَةِ، وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ تَغْيِيرٌ لِلنَّصِّ الدَّالِّ عَلَى كَوْنِ الزَّكَاةِ حَقًّا لِجَمِيعِ الْأَصْنَافِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْكُلِّ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ اللَّامُ لِلتَّمْلِيكِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الزَّكَاةَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا تَصِيرُ لِلْفُقَرَاءِ بَقَاءً بِدَوَامِ الْيَدِ فَتَكُونُ اللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ دُونَ التَّمْلِيكِ، وَإِنَّمَا أَحَالَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ اللَّامِ لِلْعَاقِبَةِ مَجَازٌ بَعِيدٌ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ ظُهُورِ الْقَرَائِنِ، وَقَدْ أَمْكَنَ عَلَى حَمْلِ اللَّامِ الِاخْتِصَاصُ وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْمَصَارِفَ إنَّمَا هِيَ هَذِهِ الْأَصْنَافُ لَا غَيْرُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إلَى غَيْرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ هُمْ الصَّالِحُونَ لِلصَّرْفِ إلَيْهِمْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.