مَأْمُورًا بِهِ وَمَنْهِيًّا عَنْهُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْبَقَاءُ بِالِاسْتِصْحَابِ. وَالِاسْتِصْحَابُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ عُلَمَائِنَا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ نَصٌّ مَا فِي زَمَنِ حَيَاةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حُجَّةً لَا فِي حَالَةِ نُزُولِهِ، وَلَا يَكُونَ حُجَّةً بَعْدَهَا، وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَاهُ بِزَمَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ لِأَنَّ بِوَفَاتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ارْتَفَعَ احْتِمَالُ النَّسْخِ وَبَقِيَ الشَّرَائِعُ الَّتِي قُبِضَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَيْهَا حُجَّةً قَطْعِيَّةً مُؤَبَّدَةً. وَقَدْ خَطَرَ بِبَالِي عَنْ هَذَا النَّظَرِ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ نَلْتَزِمَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِاسْتِصْحَابِ حُجَّةٌ أَيْ: كُلُّ اسْتِصْحَابٍ يَكُونُ فِيهِ عَدَمُ التَّغْيِيرِ مَعْلُومًا فَلَمَّا نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حُكْمٌ فَثُبُوتُهُ بِالنَّصِّ وَبَقَاؤُهُ بِالِاسْتِصْحَابِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ مُغَيِّرٌ إذْ لَوْ نَزَلَ لَبَيَّنَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَمَّا لَمْ يُبَيِّنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ فَمِثْلُ الِاسْتِصْحَابِ يَكُونُ حُجَّةً.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّا لَا نَقُولُ: إنَّ الْبَقَاءَ بِالِاسْتِصْحَابِ بَلْ النَّصُّ يَدُلُّ عَلَى شَرْعِيَّةٍ مُوجَبَةٍ قَطْعًا إلَى زَمَانِ نُزُولِ النَّاسِخِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ التَّعَارُضُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ كَوْنُ الشَّيْءِ مَأْمُورًا بِهِ، وَمَنْهِيًّا عَنْهُ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ النَّصَّ الْأَوَّلَ حُكْمُهُ مُؤَقَّتٌ إلَى زَمَانِ نُزُولِ النَّاسِخِ فَإِذَا نَزَلَ النَّاسِخُ فَلَمْ يَبْقَ مُوجَبُ الْأَوَّلِ، وَهَذَا عَيْنُ مَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الشَّارِعُ عَالِمًا بِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ مُؤَقَّتٌ إلَخْ، فَلَا يُحْتَاجُ لِدَفْعِ التَّعَارُضِ
ــ
[التلويح]
مِثْلَ هَذَا حَلَالٌ، وَذَاكَ حَرَامٌ.
وَالْمُرَادُ بِالتَّأْبِيدِ دَوَامُ الْحُكْمِ مَا دَامَتْ دَارُ التَّكْلِيفِ، وَلِهَذَا كَانَ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَأْبِيدًا لَا تَوْقِيتًا فَإِنْ قِيلَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ صِيَغُ التَّأْبِيدِ فِي الْمُكْثِ الطَّوِيلِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَلْحَقَ الْحُكْمَ تَأْبِيدٌ يُفْهَمُ مِنْهُ الدَّوَامُ، وَيَكُونُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى طُولَ الزَّمَانِ، فَيَرِدُ دَلِيلٌ يُبَيِّنُ انْتِهَاءَهُ فَيَكُونُ نَسْخًا فِي حَقِّنَا.
قُلْنَا حَقِيقَةُ التَّأْبِيدِ هُوَ الدَّوَامُ وَاسْتِمْرَارُ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ، وَإِرَادَةُ الْبَعْضِ مَجَازٌ لَا مَسَاغَ لَهُ بِدُونِ الْقَرِينَةِ وَبَعْدَ الدَّلَالَةِ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ كَانَ رَفْعُهُ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ مِنْ بَابِ الْبَدَاءِ، وَهُوَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ. هَذَا إذَا كَانَ التَّأْبِيدُ قَيْدًا لِلْحُكْمِ كَالْوُجُوبِ مَثَلًا أَمَّا إذَا كَانَ قَيْدًا لِلْوَاجِبِ مِثْلَ صُومُوا أَبَدًا فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُهُ إذْ لَا يَزِيدُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى جُزْئِيَّاتِ الزَّمَانِ عَلَى دَلَالَةِ قَوْلِنَا صُمْ غَدًا عَلَى صَوْمِ غَدٍ، وَهُوَ قَابِلٌ لِلنَّسْخِ فَإِنْ قِيلَ التَّأْبِيدُ يُفِيدُ الدَّوَامَ، وَالنَّسْخُ يَنْفِيهِ فَيَلْزَمُ التَّنَاقُضُ قُلْنَا لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إيجَابِ فِعْلٍ مُقَيَّدٍ بِالْأَبَدِ، وَعَدَمِ أَبَدِيَّةِ التَّكْلِيفِ بِهِ كَمَا لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إيجَابِ صَوْمٍ مُقَيَّدٍ بِزَمَانٍ، وَأَنْ لَا يُوجَدَ التَّكْلِيفُ بِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَمَا يُقَالُ: صُمْ غَدًا ثُمَّ يُنْسَخُ قَبْلَهُ، وَذَلِكَ كَمَا يُكَلَّفُ بِصَوْمِ غَدٍ ثُمَّ يَمُوتُ قَبْلَ غَدٍ، فَلَا يُوجَدُ التَّكْلِيفُ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ قَوْلَهُ صُمْ أَبَدًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَوْمَ كُلِّ شَهْرٍ مِنْ شُهُورِ رَمَضَانَ إلَى الْأَبَدِ وَاجِبٌ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدِ لِلْوُجُوبِ بِالِاسْتِمْرَارِ إلَى الْأَبَدِ فَلَمْ يَكُنْ رَفْعُ الْوُجُوبِ بِمَعْنَى عَدَمِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.