الِافْتِتَاحِ، وَإِنْ عَمِلَ بِخِلَافِهِ قَبْلَهَا أَوْ لَا يُعْلَمُ التَّارِيخُ لَا يُجَرَّحُ، وَأَمَّا بِأَنْ يَعْمَلَ بِبَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ؛ فَإِنَّهُ رَدٌّ مِنْهُ لِلْبَاقِي بِطَرِيقِ التَّأْوِيلِ لَا جَرْحٌ كَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَقَالَ لَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ، وَأَمَّا بِأَنْ أَنْكَرَهَا صَرِيحًا (كَحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ عَنْ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وَقَدْ أَنْكَرَ الزُّهْرِيُّ لَا يَكُونُ جَرْحًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ) ، وَهِيَ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَّى إحْدَى الْعِشَاءَيْنِ فَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِ رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَهَا؟ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَالَ وَبَعْضُ ذَلِكَ قَدْ كَانَ فَأَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَقَالَ أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالَا: نَعَمْ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» فَقَبِلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رِوَايَتَهُمَا عَنْهُ مَعَ إنْكَارِهِ.
وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ كَلَامَ النَّاسِي يُبْطِلُ الصَّلَاةَ زَعَمَ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ نُسِخَ (وَلِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى نِسْيَانِهِ أَوْلَى مِنْ تَكْذِيبِ الثِّقَةِ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ، وَيَكُونُ جَرْحًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ «عَمَّارًا قَالَ لِعُمَرَ أَمَا تَذْكُرُ حَيْثُ كُنَّا فِي إبِلٍ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ
ــ
[التلويح]
الرَّكْعَتَيْنِ مَعَ أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا عَمِلَ بِقَوْلِهِمَا إلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ.
وَكَلَامُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنَّمَا جَرَى عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ الصَّلَاةَ فَكَانَ فِي حُكْمِ النَّاسِي وَكَلَامُ النَّاسِي لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ بِمَكَّةَ وَحُدُوثَ هَذَا الْأَمْرِ إنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ رَوَاهُ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ، وَهِجْرَتُهُ مُتَأَخِّرَةٌ كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى نِسْيَانِهِ أَوْلَى مِنْ تَكْذِيبِ الثِّقَةِ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ) فَإِنْ قِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِالتَّكْذِيبِ النِّسْبَةُ إلَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ سَهْوًا أَوْ نِسْيَانًا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا أَوْلَوِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ أَيْضًا ثِقَةٌ قُلْنَا تَعَارَضَا فَبَقِيَ أَصْلُ الْخَبَرِ مَعْمُولًا بِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِيمَا إذَا صَرَّحَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ بِالْإِنْكَارِ وَالتَّكْذِيبِ، وَلَا يُشْعِرُ بِالْحُكْمِ فِيمَا إذَا تَوَقَّفَ، وَقَالَ: لَا أَتَذَكَّرُ ذَلِكَ.
وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الثَّانِي، وَفِي الْأَوَّلِ يَسْقُطُ بِلَا خِلَافٍ، وَقِيلَ إنْ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فِي الْجَزْمِ فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فَقَدْ تَسَاقَطَا، فَلَا يُعْمَلُ بِالْحَدِيثِ.
(قَوْلُهُ: وَيَكُونُ جَرْحًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لِقِصَّةِ عَمَّارٍ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ الِانْقِطَاعُ، وَيَكُونُ أَحَدُهُمَا مُغَفَّلًا وَجَوَابُهُ أَنَّ عَدَمَ التَّذَكُّرِ فِي حَادِثَةٍ لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ مُغَفَّلًا بِحَيْثُ يُرَدُّ خَبَرُهُ، وَقَلَّمَا يَسْلَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ النِّسْيَانِ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْ عُمَرَ، وَعَمَّارٍ عَدْلٌ ضَابِطٌ، وَأَيْضًا عَدَالَةُ كُلٍّ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.